إدريس الكنبوري يهاجم زيادات المحروقات: “الدولة الاجتماعية” ترفع الأسعار وتدهس الطبقة الوسطى

هبة زووم – الرباط
لم تمض سوى أيام قليلة على تقديم البرنامج الحكومي، حتى عادت أسعار المحروقات إلى واجهة الجدل، بعد تسجيل زيادات جديدة أثارت موجة من الانتقادات، في ظل استمرار الضغط على القدرة الشرائية للمغاربة، وغياب مؤشرات واضحة على قدرة السياسات الحكومية المعلنة على كبح موجة الغلاء.
وفي هذا السياق، وجّه الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري انتقادات حادة إلى الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، معتبراً أنها تكشف، بحسب قراءته، مفارقة صارخة بين الخطاب الحكومي حول «الدولة الاجتماعية» والواقع الاقتصادي الذي يواجهه المواطنون، ولا سيما الطبقة الوسطى التي يرى أنها تتحمل جزءاً متزايداً من كلفة السياسات العمومية.
الكنبوري أشار، في تدوينة نشرها بهذا الخصوص، إلى أن الزيادة الجديدة تأتي، وفق المعطيات التي أوردها، بعد زيادات سابقة خلال أقل من شهرين، منتقداً ما اعتبره استرجاعاً سريعاً لأي انخفاض محدود في الأسعار، وبمستويات تفوق قيمته السابقة.
وذهب إلى تشبيه ساخر مفاده أن شركات المحروقات تتعامل مع الانخفاضات كما لو كانت مبالغ مؤجلة تسترجعها لاحقاً من جيوب المستهلكين، وبفوائد مرتفعة.
ولم يقتصر انتقاد الباحث على الشركات، بل امتد إلى الخطاب الحكومي، متسائلاً عن مدى انسجام الزيادات المتتالية مع الوعود المرتبطة بتعزيز الدولة الاجتماعية وتحسين القدرة الشرائية.
واعتبر أن التركيز على الدعم الاجتماعي الموجه إلى الفئات الهشة لا ينبغي أن يحجب أوضاع باقي الفئات، خصوصاً الطبقة الوسطى التي قد تجد نفسها، وفق تحليله، أمام أعباء إضافية ناتجة عن ارتفاع أسعار المحروقات وما يترتب عنها من انعكاسات على النقل والمواد الاستهلاكية وتكاليف المعيشة.
ويعيد هذا النقاش طرح سؤال جوهري حول توزيع كلفة السياسات الاجتماعية: هل تتحقق الحماية الاجتماعية فعلاً إذا كانت فئات أخرى تتعرض، في المقابل، لضغوط متزايدة على دخلها؟ وكيف يمكن التوفيق بين توسيع الدعم والحفاظ على القدرة الشرائية للطبقة الوسطى، التي تشكل بدورها ركيزة أساسية في الدورة الاقتصادية والاجتماعية؟
وفي مقطع أكثر حدة، استعان الكنبوري بمفهومي «الكولخوزات» و«السوفخوزات»، اللذين ارتبطا بالتنظيمات الفلاحية في التجربة السوفياتية، ليقدم قراءة ساخرة لما يعتبره تركزاً للأرباح والنفوذ في سوق المحروقات بالمغرب.
واعتبر أن الصورة المحلية، بحسب تعبيره، لا تتعلق بتقاسم جماعي للمنافع، بل بتجمع كبار الفاعلين الذين يقتسمون الأرباح، بينما يتحمل المستهلكون كلفة الأسعار المرتفعة.
وخصّ شركات المحروقات بانتقاد مباشر، معتبراً أنها أصبحت، في نظره، المستفيد الأبرز من واقع تحرير الأسعار، في وقت لم يلمس فيه المواطنون توازناً واضحاً بين حرية السوق وحماية المستهلك من التقلبات والزيادات المتكررة.
كما أعاد الباحث إلى الواجهة ملف تحرير أسعار المحروقات وإلغاء صندوق المقاصة، منتقداً استمرار هذا الاختيار رغم تعاقب حكومتين، ومعتبراً أن المواطنين لم يجنوا، بحسب قراءته، ما يكفي من المكاسب التي تبرر الكلفة الاجتماعية لهذا التحول.
وتكشف تدوينة الكنبوري عن اتساع دائرة التساؤلات بشأن طريقة اشتغال سوق المحروقات، وحدود تدخل الحكومة في مراقبة المنافسة وضمان الشفافية، ومدى انعكاس تقلبات الأسعار الدولية على الأثمان المعتمدة محلياً، صعوداً ونزولاً.
فبين من يدافع عن تحرير الأسعار باعتباره خياراً اقتصادياً، ومن يطالب بمراجعة آثاره الاجتماعية، يبقى المواطن الحلقة الأكثر تأثراً، خصوصاً عندما تتزامن زيادات الوقود مع ارتفاع تكاليف النقل والمواد الأساسية والخدمات.
وفي ظل هذا الوضع، لا يكفي أن تكتفي الحكومة بتقديم برامج للدعم الاجتماعي، بل تظل مطالبة بتوضيح سياستها تجاه سوق المحروقات، ونشر المعطيات التي تفسر تطور الأسعار وهوامش الأرباح، وتعزيز مراقبة المنافسة والتصدي لأي ممارسات احتكارية أو تواطئية إذا ثبت وجودها.
وبين خطاب «الدولة الاجتماعية» وواقع الزيادات المتتالية، يضع الكنبوري سؤالاً سياسياً واقتصادياً يتجاوز ثمن اللتر الواحد: من يحمي القدرة الشرائية للمغاربة، ومن يضمن ألا تتحول كلفة الإصلاحات والاختيارات الاقتصادية إلى عبء دائم على جيوب المواطنين؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد