هبة زووم – الرباط
في وقت تتواصل فيه الضغوط على القدرة الشرائية للأسر المغربية، عادت أسعار المحروقات إلى واجهة النقاش الاجتماعي والاقتصادي، بعدما حذرت “لجنة المبادرة المواطنة لتسقيف أسعار المحروقات” من التداعيات المتشعبة لارتفاع أسعار الوقود، معتبرة أن تأثيره لا يتوقف عند تكاليف التنقل، بل يمتد إلى أسعار المواد الغذائية والمواد الأولية، ويزيد من الأعباء اليومية التي تواجهها الأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود.
وترى المبادرة أن المحروقات تشكل إحدى الحلقات الأساسية في سلسلة تكاليف الإنتاج والنقل والتوزيع، ما يجعل ارتفاع أسعارها عاملاً ضاغطاً على قطاعات متعددة، من بينها تربية الدواجن، التي تتأثر كلفتها بأسعار الأعلاف والنقل والتوزيع. وبذلك، لا تبقى تداعيات الغلاء محصورة في محطات الوقود، بل تنتقل إلى الأسواق وتنعكس على كلفة المعيشة.
المحروقات.. من تكلفة التنقل إلى غلاء الغذاء
وحذرت اللجنة من أن استمرار ارتفاع أسعار الوقود يفاقم الضغط على ميزانيات الأسر، في ظل تداخل تكاليف النقل والطاقة مع أسعار السلع والخدمات. وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى الفئات التي تخصص جزءاً كبيراً من دخلها لتغطية الحاجيات الأساسية، إذ لا تملك هامشاً واسعاً لامتصاص الزيادات المتتالية.
وفي هذا السياق، استحضرت المبادرة أرقاماً مقارنة قالت إنها تبرز حجم العبء الذي تتحمله الأسر المغربية، مشيرة إلى أن الإنفاق على المحروقات يمثل نحو 21 في المائة من متوسط الأجر بالمغرب، مقابل 8.4 في المائة في تونس، و7.1 في المائة بالبرازيل، و3.8 في المائة بإسبانيا، و1.6 في المائة باليابان.
ووفق المعطيات التي أوردتها اللجنة، جرى احتساب هذه المقارنة على أساس أسعار تبلغ 16.5 درهماً للبنزين و17.1 درهماً للغازوال، غير أن دلالة هذه الأرقام تظل مرتبطة بمنهجية احتسابها، وبمدى توحيد الفترة الزمنية ومقاييس الأجور والاستهلاك بين البلدان المعنية، وهو ما يجعل نشر مصادر البيانات وطريقة المقارنة أمراً ضرورياً لتقييم حجم الفوارق بدقة.
ومع ذلك، فإن السؤال الاجتماعي الذي تطرحه المبادرة يظل قائماً: كيف يمكن حماية القدرة الشرائية في ظل ارتفاع تكلفة الطاقة، وما التدابير التي تستطيع الحكومة اتخاذها للحد من انتقال هذه الزيادات إلى أسعار المواد الأساسية؟
ضرائب جديدة أم حماية للمستهلك؟
وانتقدت اللجنة المقاربة التي قالت إن الحكومة تتجه من خلالها إلى رفع ضريبة الربح إلى 40 في المائة، محذرة من احتمال انتقال جزء من العبء الضريبي إلى المستهلك النهائي إذا لم تواكب الإجراءاتَ آلياتٌ فعالة لمراقبة الأسعار والممارسات التجارية.
ويعيد هذا الموقف النقاش إلى مسألة أساسية في السياسة الضريبية: فالأثر النهائي لأي ضريبة لا يتحدد فقط بالنسبة المعلنة، بل يتوقف أيضاً على طبيعة الضريبة، وكيفية تطبيقها، ووضعية المنافسة، ومدى قدرة الشركات على تمرير التكاليف إلى المستهلكين.
ومن هنا، تدعو المبادرة إلى اعتماد إجراءات متكاملة لا تقتصر على تعديل الضرائب، بل تشمل مراقبة السوق، ومحاربة التواطؤ والممارسات الاحتكارية، وتعزيز الشفافية بشأن مكونات أسعار المحروقات وهوامش الربح في مختلف حلقات التسويق.
“لاسامير” في صلب المطالب
وفي مقدمة الحلول التي طرحتها اللجنة، تبرز الدعوة إلى إعادة تشغيل مصفاة «لاسامير»، إلى جانب فتح المجال أمام استثمارات جهوية في تكرير النفط، باعتبار ذلك مدخلاً لتعزيز القدرات الوطنية في مجال التكرير والتخزين وتقوية الأمن الطاقي.
كما طالبت بتفعيل مرونة الضريبة الداخلية على الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة، بما يسمح بتخفيف أثر تقلبات الأسعار على المستهلكين، فضلاً عن الدعوة إلى فرض ضريبة على التلوث وعلى الثروة، وتكثيف المراقبة لمنع الممارسات التي تضر بالمنافسة.
وتضع هذه المقترحات الحكومة أمام ضرورة توضيح خياراتها في تدبير ملف المحروقات، ليس فقط من زاوية الإيرادات الضريبية أو توازنات السوق، بل أيضاً من زاوية الكلفة الاجتماعية للارتفاعات المتتالية. فإعادة تشغيل مصفاة «لاسامير»، على سبيل المثال، تظل خياراً مطروحاً في النقاش العمومي، لكنه يتطلب معالجة الإكراهات القانونية والمالية والتقنية، إلى جانب تحديد نموذج اقتصادي قابل للاستمرار.
الحكومة أمام اختبار القدرة الشرائية
وتعيد مواقف المبادرة المواطنة طرح سؤال دور الدولة في سوق المحروقات، وحدود تدخلها لضمان المنافسة وحماية المستهلك، خصوصاً عندما تتحول أسعار الطاقة إلى عامل مؤثر في تكاليف النقل والإنتاج وأسعار الغذاء.
ولا يتعلق الأمر بالضرورة بفرض حل واحد أو إجراء معزول، بل ببناء سياسة واضحة تجمع بين شفافية الأسعار، ومراقبة المنافسة، ومراجعة الخيارات الضريبية عند الضرورة، وتقييم أثر كل إجراء على المستهلك وعلى استدامة المالية العمومية.
وفي انتظار توضيحات رسمية بشأن المقترحات المطروحة، يبقى الرهان الأساسي هو الانتقال من تشخيص الغلاء إلى إجراءات قابلة للقياس والتقييم، مع نشر المعطيات التي تسمح للرأي العام بفهم مكونات الأسعار وهوامش الربح والأعباء الضريبية.
فحين يمتد أثر المحروقات من خزان السيارة إلى كلفة الغذاء والنقل والإنتاج، يصبح تدبير هذا الملف قضية تتجاوز السوق لتلامس الأمن المعيشي للأسر، ومن ثم، فإن أي معالجة لا تضع حماية القدرة الشرائية ضمن أولوياتها ستظل معرضة لانتقادات اجتماعية متزايدة، في انتظار حلول ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
تعليقات الزوار