في الحاجة المستعجلة لتجاوز المفهوم التراثي “للإصلاح” وتأصيل التغيير السياسي والاجتماعي بأسس ثقافية تنويرية

الحسين بوخرطة

من منا لا يفكر يوميا في مسألة “الإصلاح” السياسي والإقتصادي وارتباطها بالتحديث الثقافي، لكن، ما يثير في هذا التفكير، هو كون التمثلات في هذا الشأن تختلف من شخص إلى آخر، اختلاف عند البعض مصدره تعودات وعادات تجذرت وترسخت عبر التفاعلات اليومية الموجهة، وعند البعض الآخر دوافعه إيديولوجية بشقيها المحافظ الذي يربط المكانة السياسية والمجتمعية لرواده بالحفاظ والتمسك بالتقليدانية الثقافية، والحداثي الذي يؤمن أن الوضع الراهن يعوقه عدم التقدم في تأصل التغيير الاجتماعي بأسس ثقافية تنويرية، ويسعى بكل جهد إلى تحقيق ذلك.

الكل يعترف اليوم أن إرث الماضي لا زال ثقيلا نتيجة الارتباط التاريخي بين ما هو ديني وسياسي منذ حكم الأمويين، وكون زحزحته في اتجاه تنوير التراث الثقافي المتراكم تعد من القضايا الأساسية التي تشغل اليوم رجال الفكر السياسي الوطني والإقليمي والدولي.
ففي إطار هذا الوضع، حرص حراس المعبد القديم، بكل ما لديهم من قوة ووسائل، على الحفاظ على الارتباط الوثيق ما بين فكرة “الإصلاح” وكلمة “صلاح” كما هو وارد ومترسخ تعسفا في المرجعية التراثية.
فحتى رواد الفكر العربي الإسلامي الحديث، الذي ترجع نشأته إلى القرن الثامن عشر، لم يتمكنوا باجتهاداتهم، وبالشكل الكافي، من تجاوز السقف المسموح به سياسيا، بل تجدهم ميالين أكثر إلى إعادة إنتاج القديم.
نجدهم في إنتاجاتهم يتحدثون عن “الإصلاح والصلاح”، لكنهم يقومون بذلك دائما في إطار ازدواجية يكون الجزء الثاني منها كلمتي “الإفساد والفساد”.
فما صلح من سلوك وتعبير في اجتهاداتهم لا يمكن اعتباره كذلك إلا إذا كان متناغما مع التراث السلوكي والتعبيري للسلف الصالح.
وكلما تميزت اجتهاداتهم بنوع من الجرأة، تجدهم في نهاية المطاف غير قادرين على تجاوز حدود الدائرة التراثية المغلقة نسبيا، دائرة لا تسمح بترويج إلا العبارات المتضادة الخاضعة لمنطق سلبي في التقييم والتقدير: الصلاح/الفساد، الإصلاح/الإفساد، الأصلح/الفاسد، الحسن/القبح، المدح/الذم،.
.
.
.
إن ما يثار داخل هذه الدائرة يبقى إلى حد ما الأساس المعياري لتعريف مفهوم “الإصلاح”، أساس يتم الاعتماد أو الارتكاز عليه لإعطاء الانطباع وكأن ما يروج في هذه الدائرة يتجاوز الذاتي الخاص (الحياة الخاصة باختيارات واعتبارات ومسؤوليات شخصية) ليشمل الموضوعي العام (حياة المجتمع السياسية والثقافية ذات الأبعاد الديمقراطية).
إنه حرص لتأصيل هذا الخلط الخطير (خلط الخاص بالعام) لإضفاء المزيد من الغموض على العلاقة ما بين الدين والسياسة، غموض يريدون تكريسه من خلال قراءة “نقلية” وسطحية لبعض الآيات القرآنية: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم.
.
.
“، و “وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما”، و ” وإلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم”،.
.
.
إلخ.
يحرصون على السطحية ومنطق النقل لطمس فكرة كون التدين أمر شخصي، والحياة الدنيا امتحان للبشر سيتوج بمجازاة كل فرد على سلوكياته وتعبيراته وممارساته منذ بلوغه سن الرشد إلى أن يغادر إلى الدار الآخرة.
إنهم يجهدون أنفسهم باستمرار من أجل توفير الظروف الثقافية لتمرير فكرة كون الإنسان الصالح هو الذي يبتعد على ما شاب العلاقات بين الناس من شوائب (بدون تحديد طبيعتها ومعنانيها بدقة)، بل يبقى المرجع الأساسي للقياس بالنسبة لهم هو الماضي، أي ما تراكم وترسب من خطابات وممارسات وسلوكيات السلف الصالح.
وفي هذا السياق، نجد العديد من المفكرين والمحللين يعتبرون مرد تخلف الشعوب العربية الإسلامية عن الركب الحضاري إلى ما يتم توفيره لرواد الفكر التقليدي من وسائل ضخمة وآليات تواصلية متعددة لترويج إدعاءاتهم وهجوماتهم التكفيرية والتحريضية على رواد الفكر التنويري، وبالتالي السعي بأي ثمن إلى “تبيئة” التعسف الثقافي وما يترتب عنه من “تفقير” و”إفقار” مادي.

بالطبع، للتعبير على سوداوية الأفكار التقليدية وتأثيرها على الأوضاع العامة التي نعيش فيها، كمجتمعات عربية إسلامية، لا بد أن نستحضر النموذج الغربي الذي تجاوز سياسيا وثقافيا الإرث الديني الثقيل الموروث عن الأزمنة التاريخية التي عرفت تداخلا قويا ما بين الدين والدولة (الفرد الغربي كان يؤمن بصكوك الغفران).
لقد استطاع فكر الأنوار، بعدما اطلع وحلل التراث الفكري العربي الإسلامي واستفاد منه، تأصيل التفكير العقلاني في مسألة الإصلاح، حيث تمت ترجمة هذا المصطلح بالفرنسية والإنجليزية بكلمة “ريفورم” (Réforme et Reform)، المكونة من (Ré) والتي تعني إعادة، و (forme) التي تعني الشكل أو الصيغة، ليكون المعنى في آخر المطاف هو “إعادة تشكيل” أو “إعطاء صورة أخرى للشيء”.
إنه تعريف، إضافة إلى بعده اللغوي، له أبعاد فلسفية تعتبر المادة لا صورة لها، وأن الإنسان هو الذي يغير شكلها حسب حاجياته ومتطلباته، حيث يبتكر الصور المتعددة لها لتحسين حياة المجتمعات والأمم.
ف”إصلاح” الشيء في هذه المرجعية التنويرية التقدمية تعني إدخال تغيير على صورة المادة نحو الأحسن كلما توفرت الشروط الفنية والتقنية والعلمية للقيام بذلك (صورة أحسن عن ما كانت عليه في السابق).
ففي صناعة السيارات مثلا، تقوم الشركات سنويا بتغيير شكل مادة الحديد والمعادن المرتبطة بهذا المجال التصنيعي من أجل خلق صور جديدة على شكل نماذج وماركات مسجلة للسيارات موفرة بذلك للزبناء المزيد من الراحة والمنفعة في الاستعمال.
بنفس المنطق، تعتبر هذه المرجعية “الإصلاح” السياسي مرادفا لتغيير شكل الدولة وعلاقاتها مع المجتمع (الدولة مادة مكونة من تراب وسكان وحدود).

خاتمة

يتضح مما سبق أن الحضارة الغربية، من خلال ربط مفهوم الإصلاح بالحاجة المستمرة لتغيير شكل المادة، تمكنت من قطع أشواط كبيرة في التقدم والتحديث المادي والسياسي والثقافي (إلى درجة التحكم في العالم من خلال تحويله إلى قرية صغيرة).
إن تبنيها للمنطق التنويري حول مختبراتها البحثية واختراعاتها العلمية والتكنولوجية إلى فضاءات للخبرة والكفاءة وإلى وحدات إنتاجية متنوعة ومتعددة لتغيير أشكال المادة بالوثيرة التي تستجيب لحاجيات وطلبات شعوبها.
في المقابل، نجد، في مرجعيتنا التراثية المحروسة بمنطق انتهازي من طرف الأقليات، أن الأوضاع القائمة لا زالت تتيح لحراس المعبد القديم إمكانية ربط مفهوم “الإصلاح”، بمنطق تعسفي جائر، بالرجوع إلى الصورة السابقة.
وهم بذلك يحرضون الشعوب على رفض تجديد صور المادة كيف ما كان نوعها بما في ذلك “شكل الدولة” ليسود القديم البائد (رفض الحاضر والمستقبل).
أكثر من ذلك، يسعون إلى تعميم هذا المنطق حتى على مجال “الجماليات” و”الفنون” و”تعبيرية الجسد”،.
.
.
إلخ، وذلك من خلال الدفع بتحريم تغيير الصور لكونها من خلق الله (التجميل، تصويب الأسنان وتقويمها، صناعة التماثيل كتحف فنية، الاستنساخ،.
.
.
.
).
إنهم أعداء الجديد الذي يهدد موقعهم المجتمعي، حيث يعتبرون كل جديد شيء مستحدث، وكل مستحدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد