هل الإنسان حيوان وُجد فجأة ليتطور مع الزمن؟

تعتبر فكرة داروين المادية عن الإنسان –والتي تقر بأصله الحيواني المحض- من النظريات التي لها وزنها في أي نقاش علمي حول ماهية الإنسان، وهذه مسلمة يعترف بها كل من خاض تجربة محاولة الإجابة عن سؤال: ما هو الإنسان؟

كثيرون من أهل الفكر الذين عارضوا الفكر الكنسي في فترة زمنية ما، تطرفوا كثيرا في تحليل الظاهرة الإنسانية حتى قالوا إن الإنسان ليس أكثر من حيوان ذكي تطور مع مرور الزمن، ليقفوا في حيرة من أمرهم فيما بعد، بعد أن اصطدموا بحقيقة تحول هذا الإنسان إلى ظاهرة الحياة الجوانية أو التطلع الدائم نحو السماء منذ وجوده في هذا العالم.

والدليل على ذلك، تلك الطقوس التي يمارسها الإنسان البدائي قبل رحلات الصيد وغيرها من الممارسات التي لا يوجد لها تفسير من الناحية المادية.
كما يصنف الأشياء ويحكم عليها بالشر والمقدس، في حين أن الحيوانات ليس لديها فكرة عن المقدس والشر.
ومهما تطورت العقول فلن يقدر أحد من البشر على صنع مماثل للإنسان.

يقول الشاعر السوفييتي “فونسنسكي”: “إن كمبيوتر المستقبل سيكون من الناحية النظرية قادرا على عمل كل شيء يقوم به الإنسان فيما عدا أمرين: أن يكون متدينا وأن يكتب شعرا”.

وهنا نستنتج، أن الإنسان لم يستجب للعالم حوله بالطريقة الداروينية المادية، لأنه بكل بساطة لم يكن يوما ما مفصلا على طراز صاحبها، كما لم يكن الكون مفصلا على طراز “نيوتن” صاحب تفاحة الجاذبية.

وحيث إن هذه النظرية قد انساق وراءها الكثيرون، فإن أكبر دليل على خطئها ما أشرنا إليه سابقا وما يلتمسه العاقل من ازدواجية العالم الحي، ولا أجد تعبيرا أبلغ في هذا الباب من مقولة أبي حامد الغزالي: “إن جميع المعجزات طبيعية، وإن الطبيعة كلها معجزة”.

وهو ما يفسر عجزنا عن تحليل الحياة بالوسائل العلمية المادية، وتفسير الظاهرة الإنسانية بوسائل غير تلك التي تلائمها فنكتفي إذ ذاك بالإعجاب والدهشة، وهما أعظم شكل من أشكال فهمنا للحياة  شئنا أم أبينا.

وعطفا على ما سبق، فإن الفلسفة الإنسانية لا يمكن النظر إليها من الزاوية المادية تبعا لنظرية داروين السابقة، وكذا استنادا لفكرة أبيقور التي لخصها في “السعي للمتعة والهرب من الألم”.

وبما أن الحرية من ركائز الإنسانية، فلا يصح أن يولد الإنسان وهو مكبل القيود مجبرا على التصرفات التي يقوم بها، لأن الإنسانية ليست “إحسانا وعفوا وتحملا، وإن كان هذا كله نتاجا ضروريا لها.
لكن الإنسانية بالدرجة الأولى توكيد لحرية الإنسان، أي: توكيد لقيمته باعتباره إنسانا”.

وبمجرد تسليمنا بحرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، فإننا نعترف بوجود الله الخالق ضمنا أو صراحة.
فالله وحده القادر على أن يخلق مخلوقا حرا، والحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق.

وهذه فكرة تقودنا نحو الاعتراف بحقيقة الإنسانية التي تؤكد خدمة الإنسان لله وحده، ولا يصح بذلك أن يخدم إنسان إنسانا آخر في هذا الوجود كوسيلة.
بل يجب أن يوضع كل شيء تحت خدمته لتحقيق غايته المثلى في هذا الكون.
وهذا هو الإنسان الذي لم يُخلق وفق نظرية الإنجليزي روبرت داروين المادية.

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد