هبة زووم – الرباط
لم يعد النقاش حول تراجع السلوك المدني في المغرب مجرد ملاحظات عابرة يتداولها المواطنون في جلساتهم اليومية أو على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحول إلى قضية مجتمعية تفرض نفسها بقوة داخل الفضاء العام، بعدما أصبحت مشاهد الفوضى، والأنانية، واحتلال الملك العمومي، والصراخ، والتصرفات المستفزة، جزءاً من الحياة اليومية في عدد من المدن والأحياء والمؤسسات وحتى داخل الفضاء الرقمي.
وفي هذا السياق، فجّر الفنان والمؤثر حسن الفد نقاشاً واسعاً بعد استعماله لمصطلح “تهركاويت”، في توصيف ساخر لسلوكات وصفها كثيرون بأنها أصبحت تختزل أزمة عميقة في منظومة القيم والتربية داخل المجتمع المغربي.
غير أن المثير في هذا الجدل، أن المنتدى المغربي للحق في التربية والتعليم اختار بدوره دخول النقاش من زاوية أكثر عمقاً، معتبراً أن الأمر لم يعد مجرد “سلوك فردي معزول”، بل مؤشر مقلق على اختلالات تربوية وثقافية متراكمة.
المنتدى، وفي بلاغ يحمل رسائل قوية، اعتبر أن “التهركاويت” ليست مرتبطة بطبقة اجتماعية أو فئة محددة، بل هي انعكاس لسلوكات غير مدنية تتغذى من غياب التربية على احترام الفضاء المشترك، ومن ضعف الحس الجماعي داخل المجتمع.
وهي إشارة ضمنية إلى أن المدرسة والأسرة والإعلام والمؤسسات العمومية لم تعد قادرة على لعب دورها الكامل في بناء المواطن القادر على احترام القانون والعيش المشترك.
الأخطر في البلاغ ليس فقط توصيف الظاهرة، بل الاعتراف الضمني بأن الدولة نفسها ركزت لسنوات على “التعليم” وأهملت “التربية”، حتى أصبحت المدرسة المغربية فضاءً لتكديس المقررات والامتحانات، أكثر من كونها مؤسسة لصناعة السلوك المدني والقيم المجتمعية، فكيف يمكن الحديث عن مجتمع متوازن، بينما يتم التعامل مع التربية باعتبارها هامشاً ثانوياً داخل السياسات العمومية؟
المنتدى ذهب أبعد من ذلك عندما دعا إلى إحداث أجهزة جهوية وإقليمية لـ”اليقظة السلوكية والتحولات القيمية”، لرصد الانحرافات السلوكية داخل الفضاءين الواقعي والرقمي.
ورغم أهمية الفكرة من الناحية النظرية، إلا أنها تفتح أيضاً الباب أمام سؤال أكبر: هل وصل المغرب فعلاً إلى مرحلة تحتاج فيها الدولة إلى “مراصد للسلوك” بعدما فشلت المؤسسات التقليدية في إنتاج مواطن يحترم الفضاء العام؟
واقع الشارع المغربي اليوم يقدم أجوبة صادمة. فمشاهد الفوضى أصبحت اعتيادية: احتلال الأرصفة، الضجيج، العنف اللفظي، الاستعراض الفارغ على مواقع التواصل، تراجع الذوق العام، وتحول “الوقاحة” أحياناً إلى وسيلة للنجومية الرقمية، وهي كلها مؤشرات على أزمة قيم حقيقية، لا يمكن اختزالها في كلمة ساخرة أو “ترند” عابر.
وفي الوقت الذي يدعو فيه المنتدى إلى تعبئة المؤثرين والإعلام لمحاربة “التفاهة”، يطرح متتبعون سؤالاً محرجاً: من صنع أصلاً هذا المناخ الذي أصبحت فيه الرداءة مادة للاستهلاك الجماهيري؟ وكيف تحولت منصات التواصل إلى فضاءات تمنح الشهرة للصراخ والسلوك العدواني أكثر مما تمنحها للفكر والمعرفة؟
المفارقة المؤلمة أن المجتمع الذي كان ينتج في السابق مثقفين ومربين ورجال فكر، أصبح اليوم يستهلك محتوى قائماً على السخرية من الانحطاط بدل مقاومته، وكأن المغاربة صاروا يتعايشون تدريجياً مع الفوضى باعتبارها “أمراً عادياً” لا يثير الصدمة.
إن أخطر ما تكشفه قضية “التهركاويت” ليس فقط وجود سلوكات غير مدنية، بل تحولها إلى ظاهرة اجتماعية تستوجب النقاش العمومي والتدخل المؤسساتي.
فحين يصبح احترام الفضاء العام استثناء، وتتحول الأنانية والفوضى إلى ثقافة يومية، فإن الأمر لا يتعلق بأزمة أفراد، بل بأزمة مجتمع كامل يحتاج إلى مراجعة عميقة لأولوياته التربوية والثقافية.
تعليقات الزوار