الحسيمة.. حين يتحول “السكيرتي” إلى سلطة فوق المرضى داخل المستشفيات

أشهبار أشرف – الحسيمة
لم يعد المواطن بالحسيمة يواجه فقط معاناة المرض ونقص الخدمات الصحية، بل أصبح مطالباً أيضاً بخوض معركة أخرى تبدأ منذ لحظة دخوله إلى المستشفى، حيث تحولت بعض عناصر الأمن الخاص، أو ما يعرف بـ”السكريتي”، إلى سلطة موازية تتحكم في المرضى وذويهم، وتقرر من يدخل ومن ينتظر، ومن يستحق “الرحمة” ومن يواجه الإهانة والطرد.
المشهد داخل عدد من المؤسسات الصحية بالإقليم بات يثير صدمة حقيقية لدى المرتفقين، بعدما تجاوز بعض حراس الأمن كل الحدود القانونية والأخلاقية، وانتقلوا من مهام التنظيم والحراسة إلى لعب أدوار لا علاقة لهم بها، تصل أحياناً إلى حد التدخل في تقييم الحالات الصحية وفرز المرضى، وكأن الأمر يتعلق بأطر طبية أو إدارية مخول لها اتخاذ القرار.
في الحسيمة، لم يعد غريباً أن تجد مواطناً مريضاً أو مرافقاً له يقف لساعات أمام باب المستشفى ينتظر “إشارة السماح” من عنصر أمن خاص، يتحدث بمنطق الآمر الناهي، ويوزع التعليمات بعقلية سلطوية لا تمت بصلة لروح المرفق العمومي ولا لكرامة الإنسان.
الأخطر من ذلك، حسب شهادات متطابقة لعدد من المواطنين، هو تحول بعض هذه السلوكات إلى ممارسات أقرب إلى الابتزاز المقنع، حيث يصبح الولوج السلس إلى بعض المصالح أو تسهيل الزيارة أو التغاضي عن بعض الإجراءات رهيناً بما يسمى في لغة الشارع “القهوة” أو “التدويرة”، بينما يُواجه المواطن البسيط بالصراخ والتعنيف اللفظي والطرد أحياناً، فقط لأنه لا يملك سوى ألمه وقلقه على مريضه.
هذه الممارسات، إن صحت، لا تشكل فقط تجاوزاً فردياً معزولاً، بل تعكس حالة خطيرة من الفوضى داخل فضاءات يفترض أنها خاضعة لقوانين واضحة ومراقبة إدارية صارمة.
فحين يتحول رجل الأمن الخاص إلى صاحب قرار داخل المستشفى، يصبح السؤال مشروعاً: أين الإدارة؟ وأين المسؤولون عن حماية كرامة المرتفقين؟ ومن سمح بتحويل بوابات العلاج إلى فضاءات للإهانة والاستعراض السلطوي؟
إن دور شركات الأمن الخاص محدد بوضوح داخل دفاتر التحملات والقوانين المنظمة للقطاع: حماية المنشأة، تنظيم الولوج، المساعدة في حفظ النظام. وليس من بين هذه المهام إطلاقاً التدخل في القرارات الطبية أو ممارسة سلطة فوق المرضى وذويهم.
لكن ما يحدث في بعض مستشفيات الحسيمة يكشف، بحسب متتبعين، عن فراغ خطير في المراقبة والتتبع، سمح لبعض العناصر بالتصرف بمنطق “الحاكم الفعلي” داخل المؤسسات الصحية، مستغلين هشاشة المرضى وضعف قدرتهم على الاحتجاج في لحظات الألم والقلق.
الأدهى أن هذه السلوكات تسيء بشكل مباشر إلى ما تبقى من ثقة المواطنين في المنظومة الصحية العمومية، خاصة في إقليم يعيش أصلاً على وقع خصاص في الأطر والتجهيزات وتنامي شكايات المرتفقين من جودة الخدمات الصحية.
فالمريض الذي يدخل المستشفى بحثاً عن العلاج لا يمكن أن يُستقبل بالقمع أو الإهانة أو الابتزاز، لأن الكرامة الإنسانية ليست امتيازاً يمنح أو يُسحب، بل حق دستوري أصيل.
اليوم، لم يعد المطلوب مجرد بيانات تبرير أو وعود ظرفية، بل تدخل حقيقي وحازم من إدارة المستشفى والسلطات الصحية والشركات المكلفة بالأمن الخاص، من أجل إعادة الأمور إلى نصابها، وفرض احترام القانون داخل المؤسسات الصحية، وربط المسؤولية بالمحاسبة في كل التجاوزات التي تمس كرامة المواطنين.
لأن إصلاح المستشفيات لا يبدأ فقط بتوفير الأجهزة والأدوية، بل يبدأ أولاً من احترام الإنسان من الباب.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد