هبة زووم – الرباط
عاد الجدل الذي أثارته واقعة أداء طقوس دينية قرب باب دكالة بمدينة مراكش إلى واجهة النقاش العمومي، لكن هذه المرة ليس بسبب الواقعة في حد ذاتها، بل بسبب الانزلاق الخطابي الذي رافقها، والذي كشف عن مستوى مقلق من التوتر في التعاطي مع قضايا حساسة تمس الدين والهوية والتعايش.
في هذا السياق، أثارت تدوينة الباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري موجة واسعة من التفاعل، بعدما وجّه انتقادات حادة لما نشرته إحدى اليوميات الوطنية، والتي وصفت المغاربة المنتقدين للواقعة بعبارة “القطيع الوطني”.
توصيف اعتبره الكنبوري دليلاً على “انفصال” بعض المنابر الإعلامية عن نبض المجتمع، واصطفافها – بحسب تعبيره – في خندق مغاير لتوجهات الرأي العام.
غير أن الإشكال لا يقف عند حدود توصيف إعلامي مثير للجدل، بل يتجاوزه إلى طبيعة الخطاب المضاد الذي اتخذ بدوره منحى تصعيدياً، حيث تم توظيف مفاهيم دينية وسياسية بشكل حاد، يصل أحياناً إلى حدود التعميم وخلط الأوراق، في قراءة تُحمّل الواقعة أكثر مما تحتمل، وتفتح الباب أمام تأويلات قد تغذي خطاب الكراهية بدل تهدئة النقاش.
الكنبوري، في تدوينته، لم يكتف بالرد على توصيف “القطيع الوطني”، بل ذهب أبعد من ذلك، مشككاً في مبررات أداء الصلاة خارج أماكن العبادة، ومعتبراً ذلك سلوكاً “غير مألوف”، قبل أن يربط الواقعة بسياقات سياسية ودولية، من قبيل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو ربط يطرح تساؤلات حول حدود التداخل بين الديني والسياسي في النقاش العمومي.
هذا التصعيد الخطابي من مختلف الأطراف يعكس أزمة أعمق في تدبير الاختلاف داخل الفضاء العمومي، حيث يغيب النقاش الرصين القائم على المعطيات الدقيقة، ليُستبدل بخطابات مشحونة بالعاطفة والانفعال، تُسهم في تأجيج الاستقطاب بدل بناء جسور الفهم.
وفي الوقت الذي كان يُفترض أن يشكل هذا الجدل مناسبة لفتح نقاش هادئ حول حدود ممارسة الشعائر الدينية في الفضاء العام، واحترام الخصوصيات الثقافية والقانونية للمجتمع المغربي، انزلق النقاش إلى تبادل الاتهامات والتخوين، ما يُفقده قيمته التنويرية ويحوّله إلى مجرد صراع رمزي بين خطابات متناحرة.
إن خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في محتوى الخطاب، بل في تداعياته على النسيج المجتمعي، خاصة في بلد مثل المغرب، الذي راكم تجربة تاريخية في التعايش الديني والثقافي، تقوم على التوازن والاعتدال، لا على منطق الإقصاء أو الاستفزاز.
اليوم، يبدو أن الحاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة الاعتبار للنقاش المسؤول، الذي يميز بين النقد المشروع وخطاب التحريض، ويضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، بعيداً عن المزايدات أو الحسابات الضيقة.
تعليقات الزوار