هبة زووم – الرباط
في قراءة فكرية وسياسية أثارت الكثير من الجدل، عاد الباحث في الشؤون الإسلامية الدكتور إدريس الكنبوري إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في التاريخ السياسي المغربي، معتبرا أن أصل الأزمة التي يعيشها المغرب اليوم لا يرتبط فقط بالاختيارات الاقتصادية أو بتدبير الحكومات المتعاقبة، وإنما يعود إلى غياب تعاقد مدني حقيقي بين الدولة والمجتمع، وهو الخلل الذي يرى أنه رافق بناء الدولة الحديثة منذ بدايات القرن العشرين.
الكنبوري، وفي تدوينة مطولة حملت الكثير من الرسائل السياسية والفكرية، اعتبر أن التعاقد القائم اليوم بين الدولة والأحزاب السياسية لا يمكن اعتباره تعاقدا حقيقيا مع المجتمع، لأن الأحزاب ـ بحسب توصيفه ـ لا تمثل الشعب المغربي تمثيلا فعليا، كما أن العلاقة بين الدولة والمجتمع ظلت محكومة بمنطق الوساطة السياسية أكثر من كونها قائمة على عقد سياسي مباشر يحدد الحقوق والواجبات المتبادلة.
ويذهب الباحث إلى أبعد من ذلك حين يعيد جذور الأزمة إلى مرحلة الحماية الفرنسية، معتبرا أن الاستعمار لعب دورا حاسما في إجهاض ما وصفه بأحد أهم المشاريع السياسية في تاريخ المغرب الحديث، والمتمثل في دستور 1908، الذي يرى أنه كان يحمل ملامح تعاقد سياسي متقدم سبق العديد من التجارب العربية والإسلامية.
وبحسب الكنبوري، فإن أهمية ذلك الدستور لا تكمن فقط في مضمونه، بل في الجهة التي صاغته، حيث اعتبر أن العلماء كانوا وراء وضعه، وأنه لم يكن نتاجا لإرادة الدولة بقدر ما كان محاولة لتنظيمها وضبط سلطاتها، وهو ما يجعله أقرب في فلسفته إلى مفهوم العقد الاجتماعي الذي شكل أساس بناء الدولة الحديثة في أوروبا.
ويرى صاحب التدوينة أن الاستعمار الفرنسي نجح في تحويل مسار المبادرة السياسية من العلماء إلى الأحزاب الناشئة آنذاك، الأمر الذي أدى إلى قطيعة تاريخية بين الدولة والمجتمع، خاصة بعد مفاوضات إيكس ليبان التي قادتها النخب السياسية وليس العلماء، وفق تحليله.
وفي انتقاد واضح للنخب الحزبية، اعتبر الكنبوري أن الأحزاب ربطت العمل السياسي بمنطق المكاسب والصراعات المرتبطة بالسلطة، بدل الانشغال ببناء تعاقد سياسي مستدام يؤسس لعلاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع. بل ذهب إلى القول إن هذه الأحزاب وجدت نفسها لاحقا مستوعبة داخل بنية الدولة نفسها، بعدما كانت في مرحلة سابقة تنازعها مواقع النفوذ والتأثير.
ويخلص الباحث إلى أن الدولة المغربية تجد نفسها اليوم بين طرفين: أحزاب عاجزة عن تأطير المجتمع أو حمايته من فقدان الثقة، ومجتمع يرفع مطالب متزايدة دون أن يجد وسائط سياسية قادرة على التعبير الحقيقي عن تطلعاته.
ورغم ما تحمله هذه الأطروحة من جرأة وإثارة للنقاش، فإنها تفتح من جديد ملفا ظل حاضرا في الأدبيات السياسية المغربية، ويتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وحدود تمثيلية الأحزاب السياسية، ومدى قدرة النموذج السياسي الحالي على إنتاج الثقة وإعادة بناء المشروعية التعاقدية.
وبين مؤيد يعتبر أن الكنبوري أعاد طرح أسئلة جوهرية مؤجلة منذ عقود، ومعارض يرى في تحليله قدرا من التبسيط أو الانتقائية التاريخية، يبقى المؤكد أن النقاش حول جذور الأزمة السياسية بالمغرب ما يزال مفتوحا، وأن سؤال التعاقد بين الدولة والمجتمع سيظل واحدا من أكثر الأسئلة إلحاحا في مستقبل الإصلاح السياسي بالمملكة.
تعليقات الزوار