هبة زووم – الرباط
في خرجة جديدة لا تخلو من الحدة والسخرية، وجه الباحث في الشؤون الإسلامية الدكتور إدريس الكنبوري انتقادات لاذعة لما وصفه بظاهرة “المحللين السياسيين الجدد” الذين تكاثر حضورهم في الفضاء الإعلامي والسياسي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، معتبراً أن جزءاً منهم لا يمتلك الحد الأدنى من أدوات التحليل والمعرفة، وأن وجودهم بات يسيء إلى النقاش العمومي أكثر مما يخدمه.
تدوينة الكنبوري جاءت في سياق سياسي يتسم بارتفاع منسوب الاستقطاب وعودة عدد من الأصوات إلى واجهة النقاش العمومي بعد سنوات من الصمت، وهو ما دفعه إلى التساؤل حول الخلفيات الحقيقية لهذا الحضور المفاجئ.
فالكاتب لم يكتف بانتقاد ضعف المستوى العلمي لبعض المتدخلين في الشأن السياسي، بل ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن بعضهم تحول إلى مجرد أدوات موسمية تتحرك وفق أجندات ظرفية مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية أكثر من ارتباطها بالرغبة في الإسهام الجاد في النقاش الوطني.
ويبدو أن ما أثار حفيظة الكنبوري ليس فقط كثرة المتحدثين باسم التحليل السياسي، وإنما ما يعتبره انتقائية واضحة في توجيه النقد. فبحسب رؤيته، فإن جزءاً من هذه الأصوات يركز هجماته بشكل شبه حصري على حزب العدالة والتنمية، متجاهلاً أحزاباً ومراكز نفوذ أخرى أكثر تأثيراً في تدبير الشأن العام خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، يطرح الكنبوري إشكالية أعمق تتعلق بأزمة النخب والخبرات داخل الفضاء العمومي المغربي. فالتوسع الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية أتاح المجال لظهور عشرات المتحدثين والمعلقين الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم خبراء أو محللين، في وقت يرى فيه منتقدون أن عدداً منهم يفتقر إلى التكوين الأكاديمي أو التجربة الميدانية أو الرصيد الفكري الذي يؤهله للقيام بهذا الدور.
كما تعكس تدوينة الكنبوري حالة من القلق المتزايد لدى جزء من المثقفين والباحثين بشأن تراجع قيمة المعرفة المتخصصة داخل النقاش العمومي، وصعود أصوات تعتمد الإثارة والشعارات الجاهزة أكثر مما تعتمد التحليل الرصين القائم على المعطيات والوقائع.
وفي المقابل، فإن الجدل الذي تثيره مثل هذه المواقف يعكس أيضاً طبيعة المرحلة السياسية التي يعيشها المغرب مع اقتراب الانتخابات التشريعية، حيث تبدأ مختلف القوى والفاعلين في إعادة التموضع، وتشتد المنافسة على التأثير في الرأي العام، وهو ما يفسر ارتفاع حدة الخطاب السياسي والإعلامي خلال هذه الفترات.
وبغض النظر عن الموقف من حزب العدالة والتنمية أو من خصومه، فإن الرسالة الأساسية التي حاول الكنبوري إيصالها تتجاوز الدفاع عن حزب بعينه، لتلامس قضية أوسع تتعلق بأخلاقيات النقد السياسي ومعايير التحليل الموضوعي. فالنقد، بحسب هذا المنطق، يكتسب قيمته من شموليته واستقلاليته وقدرته على مساءلة مختلف الفاعلين دون انتقائية أو حسابات مسبقة.
وفي زمن أصبحت فيه الحدود بين التحليل والتعبئة السياسية أكثر ضبابية، تعيد تدوينة الكنبوري طرح سؤال جوهري حول من يملك حق الحديث باسم الخبرة والتحليل، وحول مدى حاجة الساحة الوطنية إلى أصوات مستقلة قادرة على ممارسة النقد من موقع المعرفة لا من موقع الاصطفاف، خاصة في مرحلة تتزايد فيها الحاجة إلى نقاش عمومي جاد يضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الحزبية والانتخابية الضيقة.
تعليقات الزوار