برنامج “فرصة”.. مليارات الدراهم بين المشاريع المتعثرة وشباب يطاردهم شبح الديون

هبة زووم – الرباط
بدأت ملامح واحدة من أكبر إخفاقات البرامج الحكومية الموجهة لدعم التشغيل والمقاولة تتكشف تباعًا، بعدما خرجت إلى العلن معطيات صادمة حول برنامج “فرصة”، الذي قُدم عند إطلاقه باعتباره رافعة لإدماج الشباب في النسيج الاقتصادي، قبل أن يتحول، وفق معطيات المهمة الاستطلاعية البرلمانية، إلى مصدر للديون والإحباط وتعثر آلاف المشاريع.
ورغم أن التقرير النهائي للمهمة الاستطلاعية المؤقتة لم ير النور بعد، بسبب تعثر استكمال مسطرته القانونية إثر عدم توقيع مقرر المهمة، فإن المضامين التي كشفت عنها البرلمانية سلوى البردعي ترسم صورة قاتمة لبرنامج استنزف حوالي 2.5 مليار درهم من المال العام، دون أن يحقق الأهداف التي رُوج لها عند إطلاقه.
الأرقام المتداولة صادمة بكل المقاييس؛ فإذا كانت الحكومة تؤكد تمويل نحو 21 ألف مشروع، فإن ما يقارب 16 ألف مشروع يوجد اليوم في وضعية تعثر أو توقف، وهو ما يعني أن نسبة كبيرة من المستفيدين لم يجنوا من البرنامج سوى التزامات مالية وقروض تثقل كاهلهم، بدل تحقيق الاستقلال الاقتصادي الذي وُعدوا به.
هذه الحصيلة تطرح أسئلة ثقيلة حول طريقة تدبير البرنامج، وحول الكفاءة التي أُدير بها مشروع وُلد بأهداف اجتماعية واقتصادية كبرى، لكنه انتهى إلى نتائج توصف بالفشل.
فالمشكلة، بحسب المعطيات المتداولة، لا تتعلق فقط بالتمويل، بل بغياب المواكبة والتأطير والتوجيه، إذ وُجه عدد من الشباب إلى مشاريع لا تمت بصلة إلى تكوينهم أو خبراتهم، في غياب دراسة حقيقية لجدواها واستدامتها.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى الطريقة التي دُبر بها البرنامج منذ البداية، بعدما أُسند الإشراف عليه إلى قطاع السياحة بدل وزارة التشغيل، في قرار يثير الكثير من علامات الاستفهام حول منطق توزيع الاختصاصات في مشاريع يفترض أنها تستهدف محاربة البطالة وإنعاش المبادرة المقاولاتية.
وتزداد الصورة قتامة مع الحديث عن تخصيص جزء من الاعتمادات المالية لحملات تواصلية وتسويقية، في وقت كان فيه الأولى توجيه هذه الموارد إلى المواكبة التقنية والمالية للمستفيدين، لأن نجاح أي مشروع لا يقاس بحفل إطلاقه أو بشعاراته الإعلامية، وإنما بقدرته على الاستمرار وخلق القيمة المضافة وفرص الشغل.
الأخطر من ذلك أن آلاف الشباب الذين وثقوا في البرنامج وجدوا أنفسهم اليوم بين مطرقة المشاريع المتوقفة وسندان القروض المستحقة، بينما اضطرت فئة من غير المستفيدين إلى تأسيس تنسيقية وطنية للاحتجاج والمطالبة بكشف حقيقة الاختلالات التي شابت عملية الانتقاء والتدبير.
كما يثير تعطيل إخراج التقرير النهائي للمهمة الاستطلاعية بدوره علامات استفهام، خصوصًا بعدما حال عدم توقيع مقرر المهمة دون استكمال المسطرة البرلمانية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول أسباب تعطيل وثيقة يفترض أن تكشف للرأي العام كيف صُرفت مليارات الدراهم، ومن يتحمل مسؤولية هذه الحصيلة الثقيلة.
إن ما تكشفه هذه المعطيات لا يتعلق بإخفاق برنامج حكومي فحسب، بل يمس جوهر الثقة في السياسات العمومية الموجهة للشباب. فحين تتحول البرامج الحكومية من أدوات لخلق الأمل إلى مصانع لإنتاج الديون، يصبح من الضروري الانتقال من مرحلة التبرير إلى مرحلة المحاسبة.
واليوم، لم يعد الرأي العام ينتظر بيانات تبريرية أو تبادلًا للاتهامات، بل ينتظر افتحاصًا ماليًا وإداريًا شاملًا لهذا البرنامج، وتحديد المسؤوليات السياسية والإدارية عن تعثره، والكشف عن أوجه صرف المال العام، مع وضع حلول عاجلة لإنقاذ المستفيدين الذين وجدوا أنفسهم ضحايا سوء التخطيط وضعف الحكامة، حتى لا تتحول “فرصة” إلى عنوان جديد لإهدار المال العام وتبخر أحلام آلاف الشباب الباحثين عن مستقبل أفضل.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد