هبة زووم – الرباط
فتح الباحث في الشؤون الإسلامية، الدكتور إدريس الكنبوري، واحدًا من أكثر الملفات حساسية في المشهد الديني المغربي، بعدما سلط الضوء على ما وصفه بالأزمة الداخلية التي تعيشها الزاوية البودشيشية، معتبراً أن الصراع العائلي حول المشيخة كشف عن إشكال أعمق يتعلق بغياب مشروع فكري ومنهجي واضح داخل واحدة من أشهر الزوايا الصوفية بالمغرب.
وفي تدوينة أثارت تفاعلاً واسعاً، اعتبر الكنبوري أن المفارقة اللافتة تكمن في أن الزاوية البودشيشية، التي خرج منها شخصيتان بارزتان في مسارين متناقضين هما الشيخ عبد السلام ياسين والدكتور عزيز الكبيطي، لم تستطع، بحسب رأيه، أن تنتج لنفسها منهجاً فكرياً مكتوباً أو مشروعاً معرفياً متكاملاً، رغم الانتشار الكبير الذي حققته داخل المغرب وخارجه.
وأشار الباحث إلى أن عبد السلام ياسين أسس ما عرف بـ”المنهاج النبوي”، بينما وضع عزيز الكبيطي “المنهج النبوي”، وكلاهما اعتمد بناءً تربوياً يقوم على الصحبة ومراتب السلوك وأوراد يومية للمريدين، في حين بقيت الزاوية الأم، وفق توصيفه، دون تأصيل نظري واضح أو مرجعية مكتوبة تحدد معالم مشروعها الفكري.
ويرى الكنبوري أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بخلاف حول خلافة المشيخة أو تدبير الشأن الداخلي للطريقة، بل تكشف حدود نموذج ظل لعقود يعتمد على الكاريزما الروحية أكثر من اعتماده على البناء المؤسسي والفكري، وهو ما جعل الزاوية، في نظره، عرضة للاهتزاز بمجرد بروز الخلافات الداخلية.
كما قارن الباحث بين التجربتين اللتين خرجتا من رحم الزاوية، معتبراً أن عبد السلام ياسين أحدث صدمة سياسية للدولة من خلال مشروعه، بينما أحدث عزيز الكبيطي صدمة داخل الوسط الصوفي والسلفي عبر مشروعه الدعوي، في حين بقيت الزاوية البودشيشية، حسب تعبيره، عاجزة عن تطوير خطاب فكري قادر على مواكبة التحولات التي يعرفها الحقل الديني المغربي.
وتعيد هذه التصريحات النقاش إلى الواجهة حول مستقبل الزوايا بالمغرب، ومدى قدرتها على الانتقال من الاعتماد على الرمزية الروحية والشخصيات الكاريزمية إلى بناء مؤسسات تمتلك رؤية فكرية واضحة، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والفكرية المتسارعة، وتراجع تأثير العديد من الطرق الصوفية التقليدية أمام تغير اهتمامات الأجيال الجديدة.
ورغم أن ما أورده الكنبوري يعبر عن قراءته وتحليله الشخصي، فإن الجدل الذي أثارته تدوينته يعكس حجم الأسئلة المطروحة اليوم حول مستقبل الزاوية البودشيشية، وكيفية تدبيرها لمرحلة ما بعد الخلافات الداخلية، ومدى قدرتها على تجاوز أزمة المشيخة نحو إعادة بناء مشروع فكري ومؤسساتي يحافظ على مكانتها داخل المشهد الديني المغربي.
تعليقات الزوار