من يحمي الحسيمة؟ تفاقم التشرد والتسول يضع السلطات أمام اختبار المسؤولية

هبة زووم – حسن غربي
تعيش مدينة الحسيمة خلال الأشهر الأخيرة على وقع تنامٍ مقلق لظاهرة التسول والتشرد، إلى جانب الانتشار المتزايد لأشخاص يعانون اضطرابات نفسية أو عقلية ويتجولون بحرية في مختلف شوارع المدينة، في مشهد بات يثير قلق الساكنة ويطرح علامات استفهام كبيرة حول مدى نجاعة التدخلات الاجتماعية والصحية والأمنية لمواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.
ولم تعد هذه المشاهد حالات معزولة أو استثنائية، بل أصبحت جزءاً من المشهد اليومي بالمدينة، حيث يصادف المواطنون والزوار أشخاصاً في أوضاع صحية ونفسية صعبة يجوبون الأزقة والساحات والمؤسسات العمومية، وسط غياب واضح لبرامج التكفل والإيواء وإعادة الإدماج، الأمر الذي يحول معاناتهم الإنسانية إلى مصدر قلق حقيقي بالنسبة للساكنة.
وقد أعاد ظهور شخص شبه عارٍ، اليوم، بالقرب من المحكمة الابتدائية بالحسيمة، الجدل حول حجم الاختلالات التي تعرفها المدينة في مجال التكفل بالأشخاص في وضعية هشاشة، بعدما أثار المشهد استغراب المارة واستياءهم، خاصة وأن الواقعة حدثت في قلب المدينة وأمام مؤسسة قضائية، ما يعكس حجم الفراغ الذي تعيشه منظومة الرعاية الاجتماعية والصحية.
ويرى متتبعون أن استمرار هذه الظواهر لا يمس فقط بصورة الحسيمة كوجهة سياحية، بل يكشف أيضاً عن قصور واضح في التنسيق بين مختلف المتدخلين، سواء السلطات المحلية أو المصالح الصحية أو التعاون الوطني أو الجماعات الترابية، إذ إن معالجة هذه الملفات لا يمكن أن تختزل في تدخلات ظرفية أو حملات موسمية، بل تتطلب استراتيجية دائمة قائمة على الإيواء والعلاج والمواكبة النفسية والاجتماعية.
كما يحذر فاعلون جمعويون من أن ترك أشخاص يعانون اضطرابات عقلية يتجولون في الفضاء العام دون رعاية متخصصة يشكل خطراً عليهم أولاً، وعلى المواطنين ثانياً، خاصة في ظل غياب مؤسسات استقبال كافية وآليات فعالة للتكفل بالحالات المستعجلة، وهو ما يجعل الشارع يتحول إلى بديل لمؤسسات الرعاية التي يفترض أن تقوم بهذا الدور.
وتتزايد الأصوات المطالبة بإطلاق خطة استعجالية لإعادة النظام إلى الفضاء العام، ليس عبر المقاربة الزجرية وحدها، وإنما من خلال اعتماد مقاربة إنسانية متكاملة تحفظ كرامة الأشخاص في وضعية تشرد أو اضطراب نفسي، وتوفر لهم العلاج والإيواء والإدماج، مع التصدي في الوقت نفسه لشبكات التسول المنظم إن وجدت، وتكثيف المراقبة لحماية الأمن العام.
إن استمرار هذه المشاهد في مدينة مثل الحسيمة يطرح سؤالاً مؤرقاً حول مدى نجاعة السياسات الاجتماعية المعتمدة، ويؤكد أن ترك الفئات الهشة تواجه مصيرها في الشارع ليس فقط إخفاقاً اجتماعياً، بل مؤشر على خلل في تدبير ملف يفترض أن يحظى بأولوية لدى مختلف المؤسسات المعنية.
فصيانة كرامة الإنسان، وحماية أمن المواطنين، والحفاظ على صورة المدينة، مسؤوليات لا تقبل التأجيل، بل تستوجب تدخلاً عاجلاً وحاسماً قبل أن تتحول هذه الظواهر إلى واقع مألوف يصعب احتواؤه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد