هبة زووم – طنجة
بينما تُقدَّم طنجة في المحافل الرسمية كنموذج للتحول الحضري وواجهة استثمارية وسياحية للمملكة، لا يزال واد السواني، الواقع بشارع مولاي إسماعيل على الطريق المؤدية إلى الرباط، يشكل عنوانًا صارخًا لاختلالات تدبير المجال الحضري، ويطرح علامات استفهام كبيرة حول أولويات المسؤولين في مدينة صُرفت عليها مليارات الدراهم.
فالواد، الذي يعتبر من أول المشاهد التي تستقبل زوار طنجة، لا يقدم صورة مدينة عصرية كما تروج لها الخطابات الرسمية، بل يستقبلهم بروائح كريهة تزكم الأنوف، وأسراب من الناموس والحشرات، في مشهد يسيء إلى جمالية المدينة ويهدد الصحة العامة، خصوصًا خلال فصل الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة.
ويؤكد عدد من السكان ومستعملي الطريق أن معاناتهم لم تعد تقتصر على الروائح الكريهة، بل امتدت إلى تحول محيط الوادي إلى فضاء يجذب بعض المتشردين والقاصرين، في ظل غياب تدخلات حقيقية لمعالجة الوضع، وهو ما يضاعف الشعور بانعدام الأمن ويزيد من استياء الساكنة.
ومع حلول فصل الشتاء، تتجدد المخاوف من أخطار الفيضانات، خاصة وأن الوادي سبق أن شهد حوادث مأساوية، ما يجعل استمرار الوضع على حاله أشبه بقنبلة موقوتة تنتظر لحظة الانفجار، في وقت يفترض أن تكون الوقاية والاستباق من أولويات التدبير المحلي.
المفارقة الصادمة أن طنجة، التي استفادت من مشاريع كبرى لإعادة التأهيل الحضري، ما تزال تحتضن مثل هذه النقاط السوداء التي تكشف الهوة بين الصورة التي تُسوَّق والواقع الذي يعيشه المواطن يوميًا. فالتنمية لا تُقاس بالواجهات المزخرفة ولا بالمشاريع الضخمة وحدها، بل بقدرة المسؤولين على معالجة الاختلالات التي تمس صحة المواطنين وسلامتهم وجودة حياتهم.
ويطرح استمرار هذا الملف أسئلة محرجة حول أسباب غياب مشروع شامل لإعادة تهيئة أو تغطية واد السواني، رغم موقعه الاستراتيجي وأهميته داخل النسيج الحضري، وحول مدى نجاعة السياسات المحلية في ترتيب الأولويات، بدل الاكتفاء بإنجاز مشاريع تجميلية لا تعالج جذور المشكلات.
إن ساكنة طنجة لا تطالب بالمستحيل، بل بحلول عملية تنهي سنوات من المعاناة، وتحفظ كرامة المواطنين، وتحمي الصحة العامة، وتعيد الاعتبار لمدينة تطمح إلى أن تكون بوابة المغرب المتوسطية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن لمدينة تتباهى بمشاريعها الكبرى أن تعجز عن معالجة وادٍ أصبح رمزًا للتلوث والإهمال؟ فالمواطن لم يعد يقتنع بالشعارات ولا بالصور اللامعة، بل ينتظر أفعالًا ملموسة تجعل التنمية تنعكس على حياته اليومية، لا أن تبقى مجرد واجهة براقة تخفي وراءها واقعًا يردد المثل المغربي الشهير: “يا المزوق من برا… آش خبارك من الداخل؟”.
تعليقات الزوار