هبة زووم – الرباط
قبل سنوات كان الباحث في الشؤون الإسلامية الدكتور إدريس الكنبوري من الأصوات التي تواكب النقاشات الفكرية والدينية، غير أن تدوينته الأخيرة خرجت من الإطار الأكاديمي إلى قلب الجدل السياسي، بعدما وجه انتقادات حادة لطريقة تدبير الدولة للأحداث المأساوية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة، وطرح سؤالاً واحداً كرره أكثر من مرة: “أين الدولة؟”
ففي تدوينة حملت الكثير من الغضب والاستفهام، اعتبر الكنبوري أن رد فعل المؤسسات الرسمية جاء متأخراً ومرتبكاً، مستغرباً، بحسب تعبيره، سفر رئيس الحكومة إلى إسبانيا خلال هذه الظرفية، مقابل ما وصفه بصمت رسمي تجاه الضحايا وأسرهم، وتأخر وزارة الداخلية في تقديم روايتها للأحداث.
ولم يتوقف الباحث عند هذا الحد، بل انتقد أيضاً ما اعتبره مفارقة لافتة في تدبير الملف، مشيراً إلى أن المحكمة الابتدائية بتطوان أدانت خمسة من سائقي سيارات الأجرة الكبيرة بتهمة المساعدة على الهجرة غير النظامية، متسائلاً بسخرية: “خمسة أشخاص نقلوا خمسين ألف مهاجر؟”، في إشارة إلى ما يراه اختزالاً لملف معقد في مسؤولية أفراد محدودين.
كما أثار الكنبوري مسألة إعلان الحرس المدني الإسباني فتح قنوات للتواصل مع عائلات الضحايا من أجل مساعدتهم على معرفة مصير ذويهم، معتبراً أن هذا المشهد يطرح، في نظره، أسئلة مؤلمة حول مستوى التفاعل الرسمي مع أسر الضحايا داخل المغرب.
لكن أكثر ما أثار الانتباه في التدوينة هو انتقالها من توصيف الأحداث إلى توجيه نقد سياسي مباشر لطبيعة العلاقة بين الدولة والعملية الانتخابية، إذ كتب أن الانتخابات، وفق رؤيته، لا يقررها المواطن بقدر ما تتحكم فيها الدولة، معتبراً أن أصحاب النفوذ والمال هم المستفيد الأكبر من المشهد السياسي، بينما يجد آلاف الشباب أنفسهم خارج دائرة الاهتمام.
وفي أكثر المقاطع حدة، كتب الكنبوري أن عشرات الآلاف من الشباب الذين خاطروا بحياتهم في محاولة العبور لا يجدون، حسب تعبيره، من يمثلهم أو يصغي إلى أوضاعهم، لينهي تدوينته بالسؤال نفسه الذي افتتحها به: “ولكن أين الدولة؟”
وتأتي هذه التدوينة في سياق استمرار الجدل السياسي والحقوقي والإعلامي الذي أعقب أحداث سبتة، حيث تتباين القراءات بين من يركز على مسؤولية شبكات الهجرة غير النظامية، ومن يعتبر أن الظاهرة تعكس عمق التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه فئة واسعة من الشباب المغربي.
وبغض النظر عن المواقف المتباينة، فإن تدوينة الكنبوري تعكس استمرار النقاش العمومي حول كيفية تدبير هذه الأزمة، وحول مسؤولية مختلف المؤسسات في التعامل مع تداعياتها الإنسانية والسياسية، في وقت لا تزال فيه العديد من الأسئلة تنتظر إجابات رسمية تقنع الرأي العام وتعيد الثقة في قدرة المؤسسات على مواكبة مثل هذه الأزمات.
تعليقات الزوار