الكنبوري: إذا كانت العقيدة مشكلة بنكيران فلماذا لا تكون الحداثة مشكلة “البام”؟

هبة زووم – الرباط
في تدوينة سياسية لافتة، اختار الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري الدخول مباشرة إلى قلب الجدل الذي أثارته تصريحات عبد الإله بنكيران بشأن غلاء اللحوم والدجاج، محولاً النقاش من مضمون العبارة إلى الطريقة التي تدير بها الأحزاب خصومتها السياسية مع الأمين العام لحزب العدالة والتنمية خلال الحملة الانتخابية الجارية.
وكان بنكيران قد أثار جدلاً خلال مهرجان خطابي بتطوان، بعدما وضع الحفاظ على العقيدة والدين، وفق تعبيره، في مرتبة أهم من أسعار اللحوم والدجاج، وهي التصريحات التي سرعان ما تحولت إلى مادة انتخابية وإعلامية للتجاذب بين خصومه.
الكنبوري يرى أن المفارقة تكمن في أن جزءاً كبيراً من الحملة الانتخابية، حسب تقديره، انزلق من منافسة البرامج إلى مهاجمة بنكيران شخصياً وسياسياً.
ويقول، في توصيفه للمشهد، إن الحملة منقسمة إلى 30 في المائة للوعود و70 في المائة للهجوم على العدالة والتنمية، وهي نسبة تعكس موقف صاحب التدوينة وتحليله للمشهد، لا معطى إحصائياً مستقلاً.
لكن الكنبوري لا يتوقف عند هذا الحد، بل يضع إصبعه على نقطة الخلاف الأساسية: هل كان بنكيران، عندما تحدث عن العقيدة، يدعو المغاربة إلى تجاهل غلاء المعيشة، أم كان يحاول ترتيب أولويات سياسية وقيمية من وجهة نظره؟
ويعتبر الباحث أن اختزال خطاب بنكيران في عبارة «لا تهتموا بأسعار اللحوم واهتموا بالدين» يفرغ كلامه من سياقه، خصوصاً أن الرجل يخوض حملة انتخابية ويقدم خطاباً سياسياً يتناول قضايا اقتصادية واجتماعية، إلى جانب حديثه عن المرجعية والقيم.
ومن هنا ينتقل الكنبوري إلى سؤال أكثر إحراجاً لخصوم العدالة والتنمية: إذا كان الاعتراض على بنكيران هو حديثه عن العقيدة، فلماذا لا يُنظر بالمنطق نفسه إلى أحزاب تتحدث عن الحداثة والدولة والمجتمع؟
فإذا كانت العقيدة، في قراءة خصومه، جزءاً من خطاب بنكيران السياسي، فإن الحداثة بدورها ليست مجرد كلمة محايدة، وإنما مفهوم سياسي وفكري له امتداداته وتصوراته بشأن الدولة والمجتمع والحقوق والحريات.
وفي هذا السياق، استحضر الكنبوري تصريحات منسوبة إلى فاطمة الزهراء المنصوري حول أن «الدين في قلوبنا»، ليرد عليها بسؤال سياسي مباشر حول الفرق بين حضور الدين باعتباره قناعة شخصية، وحضوره باعتباره مرجعية تؤثر في القرارات والسياسات.
والمنصوري نفسها دخلت خلال الأيام الأخيرة في سجال مرتبط بتصريحات بنكيران، مؤكدة أن حزب الأصالة والمعاصرة له مواقف واضحة من القضايا التي يناقشها، وأن الحزب، وفق تعبيرها، يخدم “الوطن وثوابته ومؤسساته”.
لكن الكنبوري يدفع النقاش إلى منطقة أكثر حساسية، حين يقول إن جميع المغاربة، في نهاية المطاف، قد تكون لهم قناعات دينية، غير أن الاختبار الحقيقي بالنسبة إلى السياسي هو كيف تتحول القيم التي يتحدث عنها إلى ممارسة وقرار وتدبير للشأن العام.
وهنا تصبح المعادلة أكبر من بنكيران أو المنصوري أو أي حزب آخر، فالمواطن لا يريد فقط من السياسي أن يحدثه عن الدين، ولا عن الحداثة، ولا عن الديمقراطية، ولا عن الإصلاح. يريد أيضاً أن يعرف: ماذا ستفعلون بالأسعار؟ ماذا ستفعلون بالتعليم؟ ماذا ستفعلون بالصحة؟ ماذا ستفعلون بالفساد؟ وكيف ستدبرون المال العام؟
وهذه تحديداً هي النقطة التي يعيد الكنبوري طرحها في مواجهة الخطاب الانتخابي: **لماذا لا تكون المواجهة بالأرقام والوقائع والحصيلة؟ فإذا كان هناك ما يؤاخذ عليه العدالة والتنمية خلال تجربته الحكومية السابقة، فالمواجهة السياسية الطبيعية هي استحضار القرارات، والأرقام، والحصيلة، والسياسات العمومية، وتقديم البدائل، أما تحويل النقاش كله إلى محاكمة لعبارة واحدة، فقد يؤدي إلى إبعاد النقاش عن الأسئلة التي تهم المواطن مباشرة.
وفي المقابل، فإن الحديث عن العقيدة لا يعفي أي حزب من الإجابة عن الملفات المعيشية، كما أن الحديث عن الحداثة لا يعفي أي حزب من تقديم حلول عملية للغلاء والبطالة والخدمات العمومية، المواطن يستطيع أن يجمع بين الأمرين: أن يهتم بقيمه وهويته، وأن يسأل في الوقت نفسه عن ثمن اللحم والدجاج والدواء والتعليم والسكن.
ولهذا فإن جوهر السجال الانتخابي لا ينبغي أن يكون: من يتحدث عن الدين ومن يتحدث عن الحداثة؟ بل: من يملك برنامجاً قابلاً للتنفيذ؟ ومن يستطيع أن يقدم أرقاماً وحصيلة واضحة؟ ومن يملك الشجاعة لمناقشة إخفاقاته قبل مهاجمة خصومه؟
أما اختزال المنافسة الانتخابية في معركة حول بنكيران أو حول العقيدة أو الحداثة، فإنه قد يحجب السؤال الأهم: ماذا سيجد المواطن في اليوم التالي للاقتراع؟
فالانتخابات ليست مسابقة في البلاغة، ولا حرباً دائمة على الأشخاص، إنها لحظة مساءلة سياسية، ومن يريد إسقاط بنكيران أو العدالة والتنمية، فالميدان مفتوح أمامه: الأرقام، الحصيلة، الوقائع والبدائل، ومن يريد الدفاع عن بنكيران، فعليه بدوره أن يجيب عن الأسئلة نفسها.
لأن المواطن في النهاية لا يحتاج إلى معركة شعارات بين «العقيدة» و«الحداثة» بقدر ما يحتاج إلى سياسة تحترم عقله، وتصون المال العام، وتقدم له إجابات واضحة عن حياته اليومية ومستقبل أبنائه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد