هبة زووم – الرشيدية
لم تحتج العواصف الرعدية والسيول الجارفة التي ضربت إقليم الرشيدية، منذ فجر اليوم السبت، إلى تقارير افتحاص أو لجان تفتيش حتى تضع واقع البنية التحتية تحت المجهر.
دقائق من الأمطار القوية كانت كافية لكشف هشاشة مقطع طرقي حيوي، بعدما تسببت السيول في انقطاع حركة السير بالطريق الوطنية رقم 13 الرابطة بين أرفود وأوفوس، لتجد عشرات السيارات نفسها عالقة في الاتجاهين.
وبحسب المعطيات المتداولة، فقد استمر اضطراب وانقطاع حركة المرور لأزيد من 13 ساعة، وهو ما خلف غضباً في صفوف مستعملي هذه الطريق، بمن فيهم المواطنون والزوار والسياح الذين يعتمدون عليها للوصول إلى مناطق الجنوب الشرقي.
وهنا لا يعود السؤال مجرد سؤال عن عاصفة استثنائية، فالسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل البنية التحتية الطرقية بالإقليم قادرة فعلاً على الصمود أمام الظواهر المناخية التي أصبحت أكثر تكراراً وقوة؟
فالطريق الوطنية رقم 13 ليست مسلكاً قروياً ثانوياً يمكن أن تعزل الأمطار مستعمليه لساعات طويلة، وإنما محور طرقي حيوي يربط مناطق استراتيجية، ويشكل شرياناً للسكان والاقتصاد المحلي والسياحة.
ومن هنا تبدأ مسؤولية المؤسسات المنتخبة في الإجابة. مجلس جهة درعة تافيلالت، الذي يرأسه أهرو أبرو، يقدم منذ سنوات مشاريع وشعارات مرتبطة بفك العزلة وتحقيق العدالة المجالية ودعم التنمية الترابية والسياحة. لكن المواطن لا يقيس هذه الشعارات بعدد البلاغات أو الصور المنشورة، وإنما بما يراه على الأرض عندما تنزل الأمطار.
فالطريق التي تتوقف لساعات بسبب السيول تطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى نجاعة الاستثمارات المنجزة، وجودة الدراسات التقنية، وفعالية شبكات تصريف مياه الأمطار، ومدى أخذ المخاطر المناخية بعين الاعتبار عند إنجاز أو تأهيل المحاور الطرقية.
والأمر يصبح أكثر إحراجاً عندما يرتبط الأمر بمنطقة تراهن السلطات والمنتخبون على جعلها وجهة سياحية ذات إشعاع دولي، وعلى رأسها مرزوكة.
فكيف يمكن إقناع السائح بأن المنطقة وجهة سياحية بمواصفات عالمية، بينما يمكن لعاصفة واحدة أن تربك حركة السير على محور طرقي رئيسي لساعات طويلة؟ السياحة لا تبدأ من الفندق ولا من اللوحات الإشهارية، السياحة تبدأ من الطريق.
وتبدأ من سهولة الوصول، ومن سلامة المسافر، ومن قدرة البنية التحتية على الاستمرار في أداء وظيفتها في مختلف الظروف المناخية، أما الحديث عن مليارات الدراهم التي تصرف على فك العزلة والعدالة المجالية، فيحتاج بدوره إلى لغة أكثر دقة: أين صرفت هذه الاعتمادات؟ ما هي المشاريع التي أنجزت؟ ما مستوى تقدمها؟ وما مدى فعاليتها على أرض الواقع؟ وهل يتم تقييم المشاريع بعد إنجازها، خصوصاً عندما تكشف أولى التساقطات القوية عن اختلالات أو نقاط ضعف؟
فعاليات حقوقية تطالب بكشف تفاصيل الإنفاق العمومي المرتبط بالبنية التحتية وفك العزلة، وهي مطالبة مشروعة متى تحولت إلى طلب للمعطيات والوثائق والتقييم الموضوعي، لا إلى مجرد سجال انتخابي.
والأهم أن ما وقع على الطريق الوطنية رقم 13 ينبغي ألا ينتهي بانحسار مياه السيول وعودة السيارات إلى السير، المطلوب هو تشخيص تقني واضح: لماذا انقطعت الطريق؟ هل يتعلق الأمر بحجم استثنائي للتساقطات؟ أم بضعف منشآت تصريف المياه؟ أم بنقط سوداء معروفة لم تتم معالجتها؟ وما التدابير التي ستتخذ لمنع تكرار السيناريو؟
لأن المواطن لا يحتاج إلى من يخبره بأن الأمطار كانت قوية؛ لقد عاشها بنفسه، ما يحتاجه هو أن يعرف لماذا تتحول أمطار ساعات إلى عزلة تمتد لأكثر من نصف يوم؟ ومن يتحمل مسؤولية معالجة مكامن الخلل؟
وفي جهة ترفع شعار العدالة المجالية، لا ينبغي أن تكون المناطق البعيدة عن مراكز القرار آخر من تصلها البنية التحتية الجيدة وأول من تدفع ثمن هشاشتها.
السيول قد تكون ظاهرة طبيعية، لكن حجم الأضرار ومدة الانقطاع وجودة الاستعداد لها ليست كلها قدراً محتوماً، وهنا تحديداً تبدأ المساءلة، فإذا كانت طريق وطنية استراتيجية تغلق لساعات طويلة بسبب السيول، فمن حق المواطن أن يسأل عن جاهزية باقي الشبكة الطرقية، خصوصاً في المناطق الأكثر هشاشة والأبعد عن المراكز الحضرية.
الأمطار كشفت اليوم ما لا تستطيع البلاغات إخفاءه: البنية التحتية تُختبر في الأزمات، لا في مواسم التدشينات، ومجلس الجهة، ومعه باقي المتدخلين، مطالبون اليوم بتقديم أجوبة بالأرقام والمعطيات والمشاريع المنجزة، لا بالشعارات.
لأن العدالة المجالية لا تُقاس بعدد المشاريع المعلن عنها، وإنما بقدرة المواطن، أينما كان، على الوصول إلى منزله ومدرسته وسوقه ومستشفاه بأمان، حتى عندما تنزل السماء بكل ثقلها.
تعليقات الزوار