تطوان تنتخب أم تعيد إنتاج العائلات السياسية؟ أبناء المنتخبين في واجهة الحملة

هبة زووم – حسن لعشير
في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الانتخابات التشريعية مناسبة لتجديد النخب وفتح المجال أمام الكفاءات والطاقات الجديدة، تطرح بعض المشاهد الانتخابية بمدينة تطوان سؤالاً أكثر إزعاجاً: هل أصبحت بعض التزكيات الحزبية تنتقل داخل العائلات كما تنتقل الأسماء والألقاب؟
هذا السؤال عاد إلى الواجهة بقوة مع انطلاق الحملة الانتخابية، بعدما ظهر عدد من أبناء المنتخبين والمرشحين السابقين في مقدمة المشهد، وهو ما أعاد إلى النقاش المحلي إشكالية تجدد النخب السياسية وحدود الحضور العائلي داخل المؤسسات المنتخبة.
ففي مدينة تطوان، قاد سليمان اخماش، وكيل لائحة حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية بإقليم تطوان، يوم السبت 19 شتنبر 2026، مسيرة انتخابية جابت عدداً من شوارع المدينة، في سياق ترشحه خلفاً لوالده عبد السلام اخماش، الذي سبق أن كان حاضراً لسنوات في المشهد الانتخابي والمؤسساتي المحلي.
المشهد، في حد ذاته، لا يشكل مخالفة لمجرد وجود علاقة عائلية، فالقانون لا يمنع أبناء المنتخبين من الترشح، كما أن الكفاءة السياسية لا تقاس بالنسب العائلي. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول تكرار الأسماء نفسها داخل المؤسسات والأحزاب إلى انطباع عام لدى المواطنين بأن المجال السياسي مغلق أمام الوافدين الجدد.
والسؤال هنا ليس لماذا يترشح ابن منتخب سابق، وإنما: هل يحصل جميع المواطنين الراغبين في خوض غمار السياسة على فرص متكافئة للوصول إلى مواقع القرار الحزبي؟
وفي حي كويلما، برزت بدورها رميساء الحسيوتي، وكيلة اللائحة الجهوية لحزب التجمع الوطني للأحرار، وفق المعطيات الواردة، في حملة انتخابية رافقها فيها عدد من أفراد عائلتها، من بينهم والدها محمد الحسيوتي، المستشار بجماعة تطوان، وعمتها مريم الحسيوتي، المستشارة بالمجلس نفسه.
وجود أفراد العائلة إلى جانب المرشحة خلال الحملة لا يعني في حد ذاته وجود عملية “توريث” بالمعنى القانوني أو السياسي، لكنه يفتح الباب أمام نقاش مشروع حول استمرارية العائلات نفسها في المشهد الانتخابي، ومدى قدرة الأحزاب على ضخ دماء جديدة وخلق تنافس داخلي حقيقي على التزكيات.
وإذا كان الحزب يملك كامل الصلاحية في اختيار مرشحيه وفق مساطره الداخلية، فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية تظل قائمة أمام الناخبين: ما هي المعايير التي تحكم منح التزكيات؟ هل يتعلق الأمر بالكفاءة والخبرة والقدرة على تمثيل المواطنين، أم أن الاسم العائلي وشبكة العلاقات السياسية والاجتماعية تلعب دوراً حاسماً؟
وتتجاوز الظاهرة، بحسب ما يثار محلياً، حدود تطوان لتشمل مدينة مرتيل أيضاً، حيث يُتداول حضور أبناء منتخبين سابقين في واجهة التنافس الانتخابي، بما يعيد طرح السؤال نفسه حول تجدد النخب المحلية.
الأخطر أن استمرار هذه الصورة يمكن أن يغذي لدى المواطن إحساساً بأن السياسة مجال مغلق، وأن الوصول إلى مواقع المسؤولية يحتاج إلى اسم عائلي معروف أو شبكة انتخابية جاهزة، بينما يجد شاب أو مواطن لا ينتمي إلى عائلة سياسية نفسه مضطراً إلى قطع مسافة أطول بكثير حتى يحصل على فرصة الظهور داخل حزبه.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى: الأحزاب تتحدث عن تجديد النخب، وتشبيب المؤسسات، وإشراك الشباب والنساء، بينما قد يجد الناخب نفسه أمام أسماء مرتبطة بعائلات سياسية معروفة منذ سنوات.
أما الحديث عن المستوى الثقافي أو الأكاديمي للمرشحين، فلا ينبغي أن يتحول إلى معيار للإقصاء أو الانتقاص من الأشخاص؛ فالترشح حق سياسي، والكفاءة يجب أن تقاس بالقدرة على خدمة المواطنين وتحمل المسؤولية واحترام المؤسسات، لا بالانتماء العائلي وحده ولا بالشهادات وحدها.
لكن الناخب يملك حقاً مشروعاً في معرفة لماذا اختير هذا المرشح تحديداً؟ وما الذي يميزه عن غيره؟ وما البرنامج الذي سيقدمه؟ وما الذي سيحاسب عليه إذا وصل إلى البرلمان؟
فالمشكلة ليست أن ابن المنتخب يترشح، وإنما أن يصبح انتقال المواقع السياسية بين أفراد العائلة ممارسة متكررة إلى درجة توحي بأن الانتخابات مجرد محطة لإعادة إنتاج الوجوه نفسها.
وتطوان، بما لها من تاريخ سياسي ومدني وثقافي، تحتاج إلى نقاش أعمق من مجرد المسيرات والمنشورات والشعارات. تحتاج إلى منافسة تقوم على البرامج، وعلى الكفاءة، وعلى القدرة على الإقناع، وعلى تكافؤ الفرص داخل الأحزاب قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
وفي النهاية، يبقى الحكم للناخب التطواني، الذي لا يحتاج إلى من يختار له ممثليه، بقدر ما يحتاج إلى أن تكون أمامه خيارات مفتوحة، ومعايير واضحة، ومنافسة حقيقية. فالمؤسسات المنتخبة ليست ملكاً لعائلة ولا إرثاً سياسياً ينتقل من الأب إلى الابن، وإنما مواقع عمومية يمنحها المواطن لمن يراه قادراً على تمثيله والدفاع عن مصالحه.
والسؤال الذي ستجيب عنه صناديق الاقتراع ليس فقط: من سيصل؟ بل أيضاً: هل نجحت الأحزاب في تجديد نخبها، أم أنها أعادت إنتاج الإرث السياسي نفسه بأسماء جديدة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد