هبة زووم – علال الصحراوي
في الوقت الذي ترفع فيه الأحزاب السياسية شعار تجديد النخب، وتشبيب المؤسسات، وفتح المجال أمام الكفاءات والطاقات الجديدة، تضع الساحة السياسية بجهة كلميم وادنون هذا الخطاب أمام سؤال أكثر إحراجاً: ماذا يعني التجديد حين تستمر الأسماء والعائلات نفسها في احتلال الواجهة السياسية؟
وترشيح مريم بوعيدة، وكيلة اللائحة الجهوية لحزب التجمع الوطني للأحرار، يعيد إلى الواجهة النقاش حول الحضور السياسي لعائلة بوعيدة في الجهة، وحول حدود انتقال النفوذ السياسي داخل العائلة الواحدة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواقع انتخابية ذات وزن ورمزية.
فلا أحد يمكنه، من حيث المبدأ، أن يمنع فرداً من عائلة سياسية من ممارسة العمل الحزبي أو الترشح للانتخابات، ولا يمكن اعتبار الانتماء العائلي في حد ذاته مخالفة سياسية، لكن الإشكال يبدأ عندما يشعر المواطن بأن المشهد السياسي يعيد إنتاج الأسماء نفسها، وأن فرص الولوج إلى مواقع القرار لا توزع بالقدر نفسه بين مختلف الكفاءات والطاقات.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً ومحرجاً في آن واحد: هل نحن أمام تجديد حقيقي للنخب، أم أمام إعادة إنتاج للنفوذ السياسي نفسه داخل العائلة نفسها؟ بل إن استمرار هذا النمط من الحضور يفتح الباب أمام تعبير أكثر قسوة يتداوله النقاش السياسي المحلي: هل يتحول الحزب، في نظر جزء من الرأي العام، من تنظيم سياسي مفتوح إلى ما يشبه “حزباً محفظاً باسم بوعيدة”؟
هذا السؤال لا يتعلق بشخص مريم بوعيدة وحدها، ولا ينتقص من حقها في الترشح، وإنما يتعلق بصورة الحياة الحزبية نفسها، وبمدى قدرة التنظيمات السياسية على إقناع المواطنين بأن التزكيات تُمنح على أساس الكفاءة والبرنامج والحضور الميداني، وليس على أساس الاسم العائلي أو النفوذ المتراكم.
والأكثر إثارة للانتباه أن الخطاب المصاحب لترشيح الوجوه الشابة غالباً ما يقدم الأمر باعتباره دليلاً على تجديد النخب، لكن التشبيب لا يعني بالضرورة التجديد إذا كان الوجه جديداً بينما تظل شبكات النفوذ والمرجعيات السياسية والاعتبارات العائلية هي نفسها.
فالانتقال من جيل إلى جيل داخل العائلة يمكن أن يكون حقاً فردياً مشروعاً، لكنه يتحول إلى قضية سياسية عندما يصبح المواطن أمام إحساس بأن السياسة أصبحت مجالاً مغلقاً تدور مفاتيحه داخل دوائر محددة.
وهنا بالضبط يبرز أحد التفسيرات الممكنة للعزوف، فكيف نطلب من شاب في مقتبل العمر أن ينخرط في العمل الحزبي، ويقضي سنوات في التنظيم والتأطير والنضال، ثم يرى أن الواجهة الانتخابية تعود في كل مرة إلى أسماء مرتبطة بعائلات سياسية معروفة؟
وكيف نقنع المواطن بأن صوته قادر على تغيير المعادلة، إذا كان يشعر بأن الاختيارات الحزبية نفسها تُصنع بعيداً عنه، وأن المنافسة تبدأ فعلياً بعد أن تكون التزكيات قد حُسمت داخل دوائر ضيقة؟
العزوف، في هذه الحالة، لا ينبغي أن يُقرأ دائماً باعتباره لا مبالاة، فقد يكون أحياناً نتيجة مباشرة لشعور المواطن بأن اللعبة السياسية لا توفر له فرصة حقيقية للتأثير أو التغيير.
ولذلك فإن قضية مريم بوعيدة لا ينبغي أن تختزل في شخص المرشحة، وإنما يمكن أن تكون مدخلاً لنقاش أوسع حول العائلة السياسية، وتداول المواقع، ومعايير التزكية، وتجديد النخب داخل الأحزاب المغربية.
فالجهة لا تحتاج فقط إلى أسماء جديدة، بل إلى قواعد جديدة في إنتاج النخب؛ قواعد تجعل المواطن يرى أن الطريق إلى المسؤولية يمر عبر الكفاءة والبرنامج والعمل الميداني، وليس عبر الانتماء إلى عائلة سياسية بعينها.
أما إذا ظل التجديد مجرد عنوان انتخابي، فيما تستمر الأسماء والعائلات ذاتها في احتلال المواقع الأساسية، فإن الحديث عن محاربة العزوف سيبقى ناقصاً، لأن المواطن الذي يشعر أن السياسة أصبحت امتيازاً متوارثاً لن تقنعه كثرة الشعارات حول الشباب والمرأة والتغيير.
وفي كلميم وادنون، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: من سيترشح؟ بل أصبح أكثر عمقاً: من يملك حق صناعة النخب؟ ومن يقرر من يصل إلى مواقع القرار؟ وهل تستطيع الأحزاب أن تثبت أن أبوابها مفتوحة فعلاً أمام الجميع، أم أن بعض الأسماء باتت تتمتع بأفضلية متوارثة بحكم التاريخ العائلي والسياسي؟
تلك أسئلة لا تحتاج إلى شعارات انتخابية، بل إلى أجوبة واضحة من الأحزاب نفسها، فتجديد النخب يبدأ من كسر احتكار الأسماء، والعزوف يبدأ حين يقتنع المواطن بأن الأسماء نفسها ستظل تعود مهما تغيرت الواجهات.
تعليقات الزوار