هبة زووم – الرشيدية
في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات الداعية إلى تجديد النخب السياسية وفتح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات الجديدة، تعود إلى الواجهة في جهة درعة تافيلالت عموما والرشيدية على وجه الخصوص واحدة من أكثر الإشكالات حساسية في الحياة السياسية المحلية: هل أصبحت بعض المواقع السياسية مجالاً يعاد إنتاجه داخل العائلات نفسها، بدل أن تكون مفتوحة أمام مختلف الكفاءات والطاقات؟
السؤال ليس موجهاً ضد عائلة بعينها، ولا ضد حق أي شخص في ممارسة العمل السياسي، وإنما يرتبط بظاهرة أوسع تثيرها ملاحظات متداولة حول استمرار حضور الأسماء نفسها، وانتقال النفوذ السياسي من جيل إلى آخر داخل بعض الأسر، بما قد يعطي الانطباع بأن السياسة تحولت من فضاء للتنافس على البرامج والكفاءة إلى مجال تتداخل فيه الروابط العائلية مع فرص الوصول إلى مواقع المسؤولية.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة، كيف يمكن إقناع الشباب بأن السياسة فضاء مفتوح أمام الجميع، بينما يلاحظ جزء منهم استمرار تداول المواقع بين أسماء وعائلات سياسية معروفة؟ وكيف يمكن الحديث عن تجديد النخب إذا كان التجديد ينتهي أحياناً إلى إعادة إنتاج النفوذ نفسه بوجوه جديدة؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية ليس فقط ضعف البرامج، وإنما فقدان المواطن للإحساس بأن صوته قادر على إحداث الفرق، فعندما يترسخ لدى الناخب اعتقاد بأن مواقع القرار محكومة مسبقاً بشبكات النفوذ والعلاقات العائلية، فإن صناديق الاقتراع قد تتحول، بالنسبة إليه، من وسيلة للتغيير إلى مجرد محطة شكلية.
ومن هنا يمكن فهم أحد أوجه العزوف السياسي والانتخابي الذي يثير القلق باستمرار، خصوصاً في صفوف الشباب، فالعزوف لا يصنعه الشباب وحدهم، ولا يمكن اختزاله في اللامبالاة أو ضعف الوعي السياسي. أحياناً يكون العزوف، في جزء منه، رد فعل على شعور بالإقصاء وعدم تكافؤ الفرص؛ حين يرى المواطن أن أسماء بعينها تعود باستمرار إلى الواجهة، وأن المجال السياسي لا يمنح بالقدر نفسه فرصة للوجوه الجديدة والكفاءات التي لا تملك سنداً عائلياً أو شبكة نفوذ متوارثة.
والمفارقة أن الخطاب السياسي نفسه أصبح يرفع شعار الشباب والتجديد والمرأة والكفاءة، بينما يبقى السؤال الحقيقي معلقاً: هل يحصل هؤلاء فعلاً على فرصة متكافئة للوصول إلى مواقع القرار، أم أن الأمر يتعلق فقط بتغيير الصورة مع بقاء قواعد اللعبة نفسها؟
وفي حالة الرشيدية، تبدو الحاجة ملحة إلى نقاش صريح حول مستقبل النخب السياسية بالجهة: هل المطلوب هو إعادة تدوير التجارب نفسها، أم فتح الباب أمام جيل جديد يمتلك أفكاراً وبرامج ورؤية مختلفة؟
كما أن الحديث عن أي وجه سياسي شاب، مهما كان اسمه أو انتماؤه، لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لإعادة إنتاج منطق التزكية العائلية أو تقديم الانتماء الأسري باعتباره بديلاً عن الكفاءة والبرنامج والحصيلة.
فالسياسة الحديثة لا تُقاس بأسماء الآباء والأجداد، ولا بعدد السنوات التي قضتها العائلة في مواقع المسؤولية، وإنما بقدرة المنتخب على تقديم مشروع واضح، والدفاع عن مصالح المواطنين، وتحقيق نتائج قابلة للقياس والمساءلة.
والرسالة الأهم هنا أن تجديد النخب ليس مجرد استبدال وجه بوجه، ولا تقديم شاب أو امرأة في واجهة اللائحة، بينما تبقى مراكز النفوذ وآليات صناعة القرار محصورة في الدوائر نفسها.
إذا كانت الأحزاب جادة فعلاً في مواجهة العزوف، فعليها أن تبدأ من الداخل: بتكافؤ الفرص، والشفافية في اختيار المرشحين، وفتح المجال أمام الكفاءات غير المرتبطة بشبكات النفوذ التقليدية، وتقديم البرامج على الاعتبارات الشخصية والعائلية.
فالمواطن لا يحتاج إلى خطاب جديد فقط، بل يحتاج إلى أن يشعر بأن صوته له قيمة، وأن الطريق إلى المسؤولية مفتوح أمام الجميع، وليس مرسوماً سلفاً لعائلات وأسماء بعينها.
وفي نهاية المطاف، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للسياسة هو أن يتحول العمل الانتخابي إلى امتياز ينتقل من جيل إلى جيل، بينما يتحول المواطن إلى مجرد رقم مطلوب منه الحضور يوم الاقتراع.
وعندما يفقد الناخب الإيمان بأن بإمكانه تغيير المشهد، فإن العزوف يصبح أكثر من مجرد غياب عن صناديق الاقتراع؛ يصبح رسالة احتجاج صامتة على طريقة إدارة المجال السياسي نفسه.
تعليقات الزوار