هبة زووم – الرباط
لم يبدُ أن الجدل الذي أثارته تدوينة الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري حول ما وصفه بـ”الهوس بالأمازيغية وحرف تيفيناغ” سيمر بهدوء، بعدما انهالت عليه ردود وانتقادات من أصوات محسوبة على التيار الأمازيغي، قبل أن يقرر الباحث العودة إلى الواجهة بتدوينة جديدة حملت رسائل سياسية وفكرية أكثر حدة.
الكنبوري لم يكتفِ بالرد على منتقديه، بل اختار نقل النقاش إلى مستوى أوسع، واضعاً أمامهم سؤالاً يعتبره جوهرياً: هل أصبحت دسترة الأمازيغية حجة تُستعمل للرد على كل انتقاد، بينما يتم تجاهل باقي مقتضيات الدستور؟
وفي تدوينته، انتقد الباحث ما اعتبره خطاباً يختزل الدستور المغربي في قضية الأمازيغية، معتبراً أن الدستور يتضمن مقتضيات واسعة تتعلق بالحقوق والحريات والشغل والعدل والمساواة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وأن استدعاء الوثيقة الدستورية في كل نقاش حول الأمازيغية لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإغلاق باب النقاش.
وهنا بالضبط تكمن إحدى أكثر نقاط الجدل حساسية، فالدسترة، في منطق دولة القانون، تمنح اللغة الأمازيغية مكانة قانونية ودستورية واضحة، لكنها في الوقت نفسه لا تعني أن كل نقاش حول كيفية تنزيلها أو تدريسها أو اختيار أدواتها ورموزها يجب أن يتحول إلى مواجهة بين “مع” و”ضد”.
فالاختلاف حول السياسات العمومية المرتبطة بالأمازيغية، أو حول حرف تيفيناغ، لا ينبغي أن يُختزل تلقائياً في موقف من الأمازيغية نفسها، كما أن الدفاع عن اللغة الأمازيغية لا يمنح أي طرف حصانة من النقد أو النقاش.
الكنبوري ذهب أبعد من ذلك، عندما قارن بين الأمازيغية والفرنسية، متسائلاً عن سبب الاحتجاج بدسترة الأمازيغية، في حين أن الفرنسية، بحسب طرحه، حاضرة بقوة في الإدارة والاقتصاد والتعليم ومؤسسات الدولة رغم عدم التنصيص عليها كلغة رسمية في الدستور، وهي مقارنة تفتح بدورها ملفاً أكبر من اللغة نفسها: ملف النفوذ اللغوي داخل الدولة والمجتمع.
فإذا كانت اللغة تُقاس فقط بمكانتها الدستورية، فكيف نفسر استمرار حضور الفرنسية القوي في قطاعات حيوية؟ وإذا كانت الدسترة وحدها كافية لضمان الإنصاف اللغوي، فلماذا ظلت العربية، التي تتمتع بمكانة دستورية رسمية منذ عقود، تواجه اختلالات واضحة في مستوى الاستعمال والتفعيل؟
الكنبوري استحضر كذلك مسألة إنشاء أكاديمية للغة العربية، معتبراً أن التأخر في إخراجها إلى الوجود، في مقابل ظهور مؤسسات مرتبطة بالأمازيغية، يطرح بدوره سؤالاً حول ترتيب الأولويات في السياسة اللغوية بالمغرب.
غير أن هذه المقارنة تحتاج أيضاً إلى نقاش هادئ ومسؤول، لأن إنصاف العربية لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للانتقاص من الأمازيغية، كما أن النهوض بالأمازيغية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره خصماً من مكانة العربية.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول اللغات إلى أدوات للصراع الهوياتي، ويصبح كل نقاش حولها معركة وجودية، فاللغة ليست مجرد حرف أو قانون أو مؤسسة، إنها أيضاً مدرسة وإدارة وإعلام وقضاء واقتصاد وثقافة وفرص متكافئة للمواطنين.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الذي طرحه الكنبوري حول «المعركة الدستورية» يستحق أن يُناقش، لكن بعيداً عن منطق التخوين والتطرف والردود الانفعالية، هل المطلوب هو تنزيل دسترة الأمازيغية بشكل فعلي وعادل؟ نعم.. هل يحق للمواطنين والباحثين انتقاد طريقة تنزيلها أو مناقشة اختياراتها المؤسساتية؟ نعم.. وهل يمكن أن تتحول الدسترة إلى ذريعة لإسكات أي رأي مخالف؟ بالتأكيد لا.
وبالمقابل، فإن وصف كل المدافعين عن الأمازيغية بأنهم جزء من “تيار متطرف” سيكون بدوره تعميماً غير منصف، لأن الساحة الأمازيغية تضم اتجاهات ومدارس ومواقف متعددة، ولا يمكن وضعها كلها في سلة واحدة.
وهنا ينبغي أن ينتقل النقاش من سؤال: من مع الأمازيغية ومن ضدها؟ إلى سؤال أكثر نضجاً: كيف يمكن للمغرب أن يحقق عدالة لغوية حقيقية دون أن تتحول اللغة إلى وقود لصراع هوياتي دائم؟
ذلك أن المواطن المغربي لا يحتاج إلى معركة بين العربية والأمازيغية بقدر حاجته إلى مدرسة جيدة، وإدارة تفهم لغته، وقضاء عادل، وفرص متكافئة، وتعليم قادر على صناعة المستقبل، أما أن تتحول كل قضية لغوية إلى معركة سياسية وإيديولوجية، فذلك لن يخدم لا العربية ولا الأمازيغية.
ويبقى أخطر ما في هذا السجال أن تتحول اللغات إلى عناوين للتعبئة السياسية، بينما تبقى القضايا الاجتماعية الكبرى التي أشار إليها الكنبوري نفسه ــ من الشغل والعدل والمساواة وربط المسؤولية بالمحاسبة ــ في الهامش.
وفي النهاية، فإن الدستور لا يحتاج إلى أن يُختزل في فصل واحد، كما أن الأمازيغية لا تحتاج إلى أن تُحارب باسم العربية، والعربية لا تحتاج إلى أن تُدافع عنها عبر مهاجمة الأمازيغية، فالمغرب يحتاج إلى سياسة لغوية عادلة، واضحة ومتوازنة، لا إلى حرب لغات.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من سينتصر في معركة العربية والأمازيغية؟ بل: متى تنتصر الدولة في معركة العدالة اللغوية نفسها؟
تعليقات الزوار