هبة زووم – الرباط
مرة أخرى، يؤكد المشهد السياسي المغربي أن موسم الانتخابات لم يعد موسم التنافس بين البرامج، بل أصبح موسم “الهجرة الحزبية”، حيث تتنقل الأسماء الثقيلة بين الأحزاب بسرعة لافتة، وكأن الانتماء السياسي مجرد بطاقة عبور نحو البرلمان، لا التزام فكري أو مشروع مجتمعي.
إعلان حسن الدرهم، الرئيس السابق لجهة العيون الساقية الحمراء والبرلماني السابق باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، التحاقه بحزب التقدم والاشتراكية استعداداً لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة، يعيد إلى الواجهة سؤالاً ظل يؤرق المغاربة لسنوات: هل بقي للأحزاب المغربية أي معنى إيديولوجي، أم أنها تحولت إلى مجرد أوعية انتخابية تستقطب أصحاب النفوذ والمال والأعيان كلما اقترب موعد الاقتراع؟
المفارقة أن الخطاب المصاحب لهذه الانتقالات يكاد يكون نسخة طبق الأصل في كل مرة؛ حديث عن “القناعة”، و”خدمة الوطن”، و”المصلحة العامة”، و”العمل الميداني”، بينما يغيب الجواب عن السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط: لماذا لا تظهر هذه القناعات الجديدة إلا عندما تقترب الانتخابات وتبدأ معركة التزكيات؟
لقد أصبحت ظاهرة الترحال الحزبي عنواناً صارخاً لأزمة السياسة بالمغرب، وأحد أبرز أسباب فقدان الثقة في المؤسسات الحزبية، فحين ينتقل منتخب أو برلماني أو رئيس جهة من حزب إلى آخر دون أن يقدم مراجعة فكرية حقيقية أو يوضح أسباباً سياسية مقنعة، فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام هي أن البرامج لا قيمة لها، وأن المقاعد الانتخابية أهم من المبادئ.
والأخطر من ذلك أن عدداً من الأحزاب بات يقيس قوته بعدد الأعيان ورجال الأعمال الذين يستقطبهم، لا بعدد الكفاءات والأطر والمناضلين الذين راكموا سنوات من العمل السياسي والتنظيمي. وهكذا تحولت التزكية من وسيلة لاختيار أفضل المرشحين إلى ورقة تفاوض تخضع لحسابات النفوذ والقدرة على حصد الأصوات، ولو على حساب الهوية السياسية للحزب.
هذا الواقع لا يسيء فقط إلى صورة الأحزاب، بل يضرب جوهر الديمقراطية التمثيلية. فالمواطن الذي يمنح صوته لحزب معين بناءً على مرجعيته أو برنامجه، يفاجأ بعد سنوات بأن المنتخب نفسه انتقل إلى حزب آخر دون العودة إلى الناخبين أو طلب تجديد الثقة منهم، وكأن الأصوات أصبحت ملكية شخصية يمكن نقلها من تنظيم إلى آخر.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه الممارسات تكرس الاعتقاد بأن السياسة في المغرب لم تعد مجالاً للتدافع الديمقراطي حول الأفكار، بل أصبحت فضاءً لإعادة توزيع المواقع والمصالح قبل كل استحقاق انتخابي، وهو ما يفسر اتساع دائرة العزوف السياسي، خاصة في صفوف الشباب الذين باتوا يرون أن الكفاءة والنضال الحزبي لم يعودا الطريق الأقصر للوصول إلى المؤسسات المنتخبة.
إن الأزمة اليوم ليست في انتقال شخص من حزب إلى آخر، فهذا حق يكفله القانون، وإنما في غياب أي محاسبة سياسية أو أخلاقية لهذا السلوك، وفي استمرار الأحزاب نفسها في تشجيع هذه الظاهرة عبر فتح أبوابها لكل من يملك ثقلاً انتخابياً، حتى وإن كان بالأمس القريب يدافع عن مشروع سياسي مغاير تماماً.
فإذا كانت الأحزاب تطالب المواطنين بالوفاء لصناديق الاقتراع، فمن باب أولى أن تقدم هي نموذجاً في الوفاء لمرجعياتها وبرامجها ومناضليها. أما أن تتحول إلى محطات استقبال موسمية للمنتقلين بين الألوان السياسية، فإنها بذلك تساهم بنفسها في تعميق أزمة الثقة التي أصبحت تهدد مستقبل العمل الحزبي برمته.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم هو إعادة الاعتبار للفعل السياسي النبيل، عبر القطع مع ثقافة الترحال الانتخابي، وربط التزكيات بالكفاءة والنزاهة والحضور الميداني، لا بحجم النفوذ أو القدرة على تحقيق مكاسب انتخابية ظرفية، لأن الديمقراطية لا تُبنى بالأعيان وحدهم، بل تبنى بالأحزاب القوية، والبرامج الواضحة، واحترام ذكاء الناخب المغربي.
تعليقات الزوار