العامل بوعاصم العالمين والعرائش… هل تحولت الانتخابات إلى معركة لتصفية الحسابات السياسية؟
هبة زووم – إلياس الراشدي
كلما اقترب موعد الانتخابات، ارتفع منسوب التوتر السياسي بإقليم العرائش، غير أن ما يجري اليوم يتجاوز حدود التنافس الديمقراطي المشروع، ليطرح تساؤلات مقلقة حول طبيعة الصراعات التي أصبحت تطبع المشهد، وحول ما إذا كانت بعض مراكز القرار تحولت إلى طرف في معادلة سياسية يفترض أن تبقى فيها الإدارة على مسافة واحدة من جميع الفاعلين.
فالانتخابات ليست معركة شخصية، ولا مناسبة لتصفية الحسابات، ولا مجالاً لاستعمال النفوذ في إعادة رسم الخريطة السياسية وفق حسابات ضيقة.
ومع ذلك، فإن المتابع لما يجري بالعرائش يلاحظ أن الأجواء باتت مشحونة بخطاب الإقصاء والاستقطاب، في ظل حديث متزايد عن استهداف شخصيات سياسية بعينها، وفي مقدمتها البرلمانية زينب السيمو، في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام.
ولم يعد المواطن يثق بسهولة في الوعود الانتخابية التي تتكرر مع كل استحقاق، بعدما تحولت، بالنسبة إلى كثيرين، إلى مجرد شعارات موسمية تنتهي صلاحيتها بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، أما المنتخبون، فكثير منهم لا يعود يُرى إلا عندما تدق ساعة الانتخابات، بينما تختفي أرقام الهواتف وتغلق الأبواب في وجه المواطنين بمجرد الوصول إلى المقاعد.
الأخطر من ذلك أن النقاش السياسي لم يعد يتمحور حول البرامج أو المشاريع التنموية أو معالجة مشاكل الإقليم، بل أصبح يدور حول من يملك النفوذ، ومن يتحكم في التزكيات، ومن يحظى بالقرب من دوائر القرار، وهي مؤشرات لا تخدم صورة الديمقراطية، بقدر ما تعمق الإحساس بأن الصراع لم يعد بين مشاريع سياسية، بل بين شبكات مصالح تتنافس على السلطة.
كما أن ظاهرة الترحال الحزبي التي أصبحت عنواناً بارزاً في العرائش لا تزيد المشهد إلا قتامة، بعدما صار بعض المنتخبين يبدلون انتماءاتهم الحزبية كما تُبدَّل القمصان، دون أي اعتبار للبرامج أو للالتزامات التي قدمت للناخبين، الأمر الذي يكرس الانطباع بأن الولاءات أصبحت مرتبطة بالمصالح أكثر من ارتباطها بالقناعات.
وفي خضم هذه الأجواء، تتردد بقوة أحاديث عن “بورصة التزكيات” وعن تدخلات غير معلنة في رسم ملامح المنافسة الانتخابية، وهو ما يفرض على السلطات الترابية مسؤولية مضاعفة في تحصين العملية الانتخابية من كل ما قد يمس بمبدأ الحياد أو يزرع الشك في نفوس المواطنين.
فالسلطة، وفق الدستور والقانون، مطالبة بأن تكون ضامنة لنزاهة الانتخابات، لا طرفاً فيها، وأن تحرص على توفير شروط تكافؤ الفرص بين جميع المرشحين، لأن مجرد انتشار الانطباع بوجود مرشح يحظى بمعاملة تفضيلية أو بدعم غير مباشر من الإدارة، كفيل بإضعاف ثقة الناخبين في العملية الديمقراطية برمتها، حتى وإن لم يكن ذلك صحيحاً.
ومن هذا المنطلق، فإن أي صراع سياسي يجب أن يبقى داخل المؤسسات والأحزاب، بعيداً عن الإدارة الترابية التي يفترض أن تظل فوق جميع الاصطفافات. أما إذا تحول المشهد إلى معارك نفوذ وتصفية حسابات، فإن الخاسر الأكبر لن يكون هذا المرشح أو ذاك، بل ستكون صورة الدولة نفسها، وثقة المواطنين في نزاهة الانتخابات.
فالعرائش اليوم لا تحتاج إلى معارك كسر العظام، ولا إلى صراعات شخصية، بل تحتاج إلى تنافس حقيقي حول البرامج والكفاءات، وإلى إدارة قوية بحيادها، لا بتدخلها، لأن الديمقراطية لا تُبنى بالإشاعات ولا بإعادة ترتيب الولاءات، وإنما تُبنى بصندوق اقتراع حر، وإدارة محايدة، وربط فعلي للمسؤولية بالمحاسبة.