صيف الغضب يطارد ربيع الخليع.. قطارات تتحول إلى أفران متنقلة والمسافرون يدفعون الثمن

هبة زووم – الرباط
يبدو أن فصل الصيف لم يعد يكشف فقط عن ارتفاع درجات الحرارة بالمغرب، بل أصبح يفضح، سنة بعد أخرى، أعطابًا مزمنة في خدمات المكتب الوطني للسكك الحديدية، حيث تتحول رحلات يفترض أن تكون وسيلة نقل مريحة وآمنة إلى تجربة شاقة يعيش خلالها آلاف المسافرين ساعات من المعاناة داخل عربات أشبه بـ”أفران متنقلة”، في ظل أعطاب متكررة للمكيفات الهوائية، ومراحيض خارج الخدمة، وتأخرات متواصلة، وصمت إداري يثير الكثير من علامات الاستفهام.
فعوض أن يشكل القطار عنوانًا للنقل العصري الذي يفاخر به المسؤولون في المناسبات الرسمية، أصبح بالنسبة إلى عدد كبير من المواطنين مرادفًا للإرهاق والتذمر، خصوصًا على الخطوط الطويلة الرابطة بين طنجة ومراكش، وفاس ومراكش، حيث تمتد الرحلات لساعات طويلة في ظروف لا تليق بخدمة عمومية يفترض أنها تراهن على الجودة واحترام كرامة المرتفق.
ويؤكد العديد من الركاب أن المعاناة لا تتوقف عند الحرارة الخانقة داخل العربات، بل تمتد إلى غياب أبسط شروط الراحة، بعدما أصبحت أعطال المكيفات والمراحيض مشهدًا مألوفًا، في وقت يؤدي فيه المسافرون ثمن تذاكر لا تعكس، بحسب تعبيرهم، مستوى الخدمات المقدمة.
ويزداد الوضع حرجًا خلال الموسم الصيفي، الذي يشهد عودة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، والذين يعتمدون بشكل كبير على القطار للتنقل بين المدن، ليصطدموا بخدمات لا تنسجم مع الصورة التي يسوقها المكتب حول تحديث قطاع النقل السككي.
ولم يعد الأمر يقتصر على الأعطاب التقنية، بل امتد إلى ضعف التواصل مع المسافرين عند وقوع الطوارئ، كما حدث خلال التوقف المفاجئ للقطار الرابط بين الرباط وخريبكة، حيث وجد الركاب أنفسهم لساعات في منطقة خلاء دون أي توضيحات رسمية بشأن أسباب العطب أو المدة الزمنية اللازمة لاستئناف الرحلة، في مشهد اعتبره كثيرون استخفافًا بحقوق المرتفقين وحقهم في المعلومة.
هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا حول فلسفة تدبير المكتب الوطني للسكك الحديدية، فهل يكفي اقتناء قطارات جديدة والترويج لمشاريع كبرى، بينما تعاني شبكة النقل التقليدية من اختلالات يومية تمس آلاف المواطنين؟ وهل أصبحت الأولوية للمظاهر والصور الدعائية أكثر من تحسين جودة الخدمة وصيانة الأسطول الموجود؟
ويرى متابعون أن الأزمة لا ترتبط فقط بالأعطاب التقنية، بل تعكس خللًا في تدبير الصيانة الوقائية، وضعفًا في آليات المراقبة والتتبع، وهو ما يجعل الأعطاب تتكرر كل صيف دون أن تظهر مؤشرات على معالجة جذرية للمشكل، في حين يكتفي المكتب في كثير من الأحيان بتدخلات ترقيعية لا تمنع عودة الأعطال من جديد.
وفي خضم هذا الجدل، تتجه الأنظار إلى المدير العام للمكتب الوطني للسكك الحديدية، ربيع الخليع، الذي يقود المؤسسة منذ سنوات طويلة، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى اطلاعه على الواقع اليومي الذي يعيشه المسافرون، وما إذا كان قد خاض بنفسه تجربة السفر لساعات طويلة على الخطوط الأكثر اكتظاظًا، للوقوف على حجم المعاناة بعيدًا عن التقارير الإدارية والمؤشرات الرقمية.
فالمواطن لا يقيس نجاح المؤسسة بعدد البلاغات أو المشاريع المعلنة، وإنما بما يعيشه داخل القطار من راحة واحترام لكرامته، وبمدى التزام المرفق العمومي بمواعيده وجودة خدماته، خاصة عندما يتعلق الأمر بأسر وأطفال وكبار السن يجدون أنفسهم محاصرين داخل عربات تفتقد إلى أبسط شروط النقل اللائق.
وأمام تزايد شكاوى المسافرين، تبدو الحاجة اليوم ملحة إلى مراجعة شاملة لتدبير النقل السككي، تقوم على تعزيز الصيانة الدورية، وضمان جاهزية العربات، وتحسين التواصل مع المرتفقين في حالات الأعطال، وربط المسؤولية بالمحاسبة كلما ثبت وجود تقصير يمس جودة الخدمة.
فالنقل السككي ليس مجرد وسيلة للانتقال بين المدن، بل هو مرفق عمومي يعكس صورة الدولة في علاقتها بالمواطن. وعندما تتحول الرحلة إلى معاناة، ويصبح الصمت هو الجواب الوحيد على شكاوى المسافرين، فإن الأزمة لا تكون أزمة مكيف معطل أو مرحاض خارج الخدمة، بل أزمة حكامة وتدبير تستدعي إصلاحًا حقيقيًا، يضع كرامة المواطن في صدارة الأولويات بدل الاكتفاء بالشعارات والصور الرسمية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد