بعد سنوات طويلة على رأس ONCF ماذا قدم ربيع لخليع للمسافر العادي؟

هبة زووم – الرباط
لم يعد ارتفاع أسعار تذاكر القطارات بالمغرب مجرد موضوع عابر يثار بين المسافرين، بل أصبح، بحسب شكايات متداولة، عنواناً لمفارقة صارخة: أسعار ترتفع، بينما تتراجع جودة الخدمة في بعض الرحلات إلى مستويات لا تبرر ما يدفعه المسافر من ماله.
فالمسافر الذي يقتني تذكرته بسعر مرتفع لا يطلب امتيازاً ولا خدمة فاخرة، وإنما ينتظر الحد الأدنى من شروط السفر: عربة نظيفة، تهوية مناسبة، مكيفات تشتغل، ورائحة مقبولة، وفضاء يحفظ كرامته.
لكن الواقع الذي يصفه عدد من المسافرين يبدو مختلفاً تماماً، حرارة خانقة داخل بعض العربات، ومكيفات لا تعمل بالشكل المطلوب، إلى جانب روائح كريهة وقوية تجعل بعض المسافرين يشعرون بأنهم داخل فضاء مغلق لا تتوفر فيه أبسط شروط النظافة والتهوية.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بـ”رفاهية” المسافر، كما قد يحاول البعض تصويره، وإنما بجودة خدمة عمومية يؤدي المواطن مقابلها مالاً.
المعادلة بسيطة: كلما ارتفع سعر الخدمة، ارتفعت معه توقعات المستفيدين منها، ولا يمكن مطالبة المواطن بأداء أسعار مرتفعة ثم مطالبته في الوقت نفسه بالصمت عندما يجد نفسه داخل عربة ساخنة، أو وسط روائح مزعجة، أو في ظروف سفر لا تتناسب مع صورة مؤسسة وطنية يفترض أن تكون واجهة للنقل السككي بالمغرب.
فالمواطن لا يشتري مجرد مقعد، إنه يشتري خدمة نقل يفترض أن تكون آمنة ونظيفة ومريحة وفي مستوى السعر المؤدى عنها، وإذا كانت بعض الاختلالات مرتبطة بأعطاب تقنية أو ظروف استثنائية، فإن السؤال يصبح: أين آليات المراقبة والتدخل السريع؟ ومن يتابع جودة العربات قبل وضعها رهن إشارة المسافرين؟
وفي قلب هذه الانتقادات يبرز اسم المدير العام للمكتب الوطني للسكك الحديدية، ربيع لخليع، الذي أمضى سنوات طويلة على رأس المؤسسة، وهنا لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى استهداف شخصي، وإنما إلى سؤال حول الحصيلة والمسؤولية الإدارية، ما الذي تحقق للمسافر العادي خلال هذه السنوات؟
صحيح أن المكتب الوطني للسكك الحديدية شهد مشاريع كبرى وتحولات مهمة، وفي مقدمتها مشروع القطار فائق السرعة، لكن تطوير البنية التحتية والمشاريع الكبرى لا ينبغي أن يحجب سؤالاً أساسياً: ماذا عن جودة الخدمة اليومية التي يعيشها ملايين المسافرين؟
فالمواطن الذي يستقل قطاراً عادياً بين المدن لا تعنيه فقط سرعة القطارات الفائقة، بل تعنيه أيضاً نظافة المقعد، وبرودة العربة في أيام الحر، وجودة المراحيض، وانتظام الرحلة، وحسن الاستقبال.
المشكل أن تقييم قطاع السكك الحديدية لا ينبغي أن يختزل في عدد المشاريع الكبرى أو الاستثمارات المعلنة، جودة النقل تقاس أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي يعيشها المواطن كل يوم، فالعربة النظيفة جزء من الخدمة، المكيف الذي يعمل جزء من الخدمة، المراحيض النظيفة جزء من الخدمة، والاحترام والراحة جزء من الخدمة.
وإذا كان المسافر يؤدي ثمناً مرتفعاً مقابل هذه الخدمة، فمن حقه أن يسأل بكل وضوح: أين تذهب جودة الخدمة التي يفترض أن تكون مقابل هذا السعر؟
الانتقادات الموجهة إلى قطارات المكتب الوطني للسكك الحديدية اليوم تستحق جواباً مؤسساتياً واضحاً، لا مجرد تبريرات ظرفية، فإذا كانت هناك أعطاب في أنظمة التكييف، فما نسبتها؟ وما آجال إصلاحها؟ وإذا كانت النظافة لا تتم بالمستوى المطلوب، فما هي آليات مراقبة شركات التدبير والنظافة؟ وإذا كانت أسعار التذاكر ترتفع، فما الذي يقابل ذلك من تحسينات ملموسة في الخدمة؟
هذه أسئلة مشروعة، ولا ينبغي اعتبارها عداءً للمؤسسة، بل العكس: المؤسسة العمومية القوية هي التي تقبل النقد وتجيب بالأرقام والحصيلة، أما أن يظل المواطن يؤدي أكثر، ويشتكي أكثر، وينتظر أكثر، فهذه معادلة تحتاج إلى مراجعة.
وفي النهاية، لا يريد المسافر المغربي قطاراً فاخراً في الإعلانات وعربة خانقة في الواقع، يريد فقط أن يشعر أن ثمن تذكرته يشتري له خدمة تليق بكرامته.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد