فواتير تقفز وحفر لا تختفي.. الشركة الجهوية متعددة الخدمات بالجديدة أمام امتحان المصداقية

هبة زووم – الجديدة
منذ انتقال تدبير خدمات الماء والكهرباء والتطهير السائل بالجديدة إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء–سطات، يفترض أن يكون المواطن قد لمس تحولاً في جودة الخدمات، وسرعة معالجة الشكايات، وتحسين التواصل، وتطوير البنية التحتية.
غير أن شكايات متداولة بين عدد من المواطنين والفعاليات المحلية ترسم صورة مختلفة، وتطرح أسئلة جدية حول طريقة تدبير المرحلة الانتقالية، خصوصاً في ما يتعلق بالفواتير، والانقطاعات، ومعالجة الأعطاب، وإعادة تأهيل الشوارع بعد إنجاز الأشغال.
الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء–سطات دخلت حيز العمل رسمياً في فاتح أكتوبر 2024، في إطار إصلاح تدبير المرافق العمومية بالجهة، وفق مقتضيات القانون رقم 83.21 المتعلق بالشركات الجهوية متعددة الخدمات. وبالتالي فإن الرهان لم يكن مجرد تغيير اسم المؤسسة أو الجهة المكلفة بالتوزيع، وإنما تحسين الخدمة وتقريبها من المواطن وجعل تدبيرها أكثر نجاعة وفعالية، لكن في الجديدة، يبدو أن ملف العلاقة مع الزبون يحتاج إلى أكثر من حملات التواصل والوعود بتحسين الخدمة.
من بين أكثر الملفات إثارة للجدل مسألة الفواتير، خصوصاً الحالات التي يقول أصحابها إن مبالغ الاستهلاك ارتفعت بشكل مفاجئ، أو إن الفواتير احتُسبت دون أن تعكس، بحسبهم، الاستهلاك الفعلي.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: إلى أي حد تعتمد الشركة على القراءة الفعلية للعدادات؟ وكيف تتم معالجة الفوارق بين الاستهلاك التقديري والاستهلاك الحقيقي؟ ومن يتحمل مسؤولية الفاتورة عندما يجد المواطن نفسه أمام مبلغ لا ينسجم مع نمط استهلاكه المعتاد؟
والمفارقة أن الشركة تتيح رسمياً قنوات متعددة لتقديم الشكايات، من وكالاتها ومركز العلاقة مع الزبناء والبريد الإلكتروني والمكتب الرقمي، وهو ما يعني أن الاختبار الحقيقي لا يكمن فقط في وجود قنوات للتواصل، بل في سرعة وفعالية معالجة الشكايات والرد عليها.
بل إن تقييمات منشورة عبر التطبيق الرسمي للشركة تتضمن شكايات من زبناء بشأن ارتفاعات غير معتادة في الاستهلاك وعدم معالجة طلبات مراجعة الفواتير، وإن كانت هذه المنشورات تبقى شهادات فردية لا تكفي وحدها لإثبات وجود خلل مؤسسي عام.
الملف الثاني الأكثر إلحاحاً يرتبط بالأشغال التي تفرضها أعطاب شبكات الماء والتطهير، فالمدينة لا يمكن أن تتحول إلى ورش مفتوح دون أن تكون هناك قواعد واضحة: حفر لإصلاح العطب، نعم؛ لكن ماذا بعد انتهاء الأشغال؟
هل تتم إعادة الشوارع إلى حالتها الأصلية؟ هل هناك آجال محددة لإعادة التزفيت؟ من يراقب جودة الإصلاح؟ ومن يتحمل مسؤولية الأضرار التي تلحق السيارات والمواطنين بسبب الحفر التي تبقى مفتوحة أو غير مؤهلة بالشكل المطلوب؟
هذه ليست تفاصيل تقنية هامشية، لأن أي حفر في شارع رئيسي أو حي سكني يمس مباشرة سلامة مستعملي الطريق ويؤثر على حركة السير والمظهر العام للمدينة.
والأخطر أن الشركة نفسها أعلنت عن صفقات ومشاريع مرتبطة بإعادة تأهيل وتجديد شبكة التطهير السائل في منطقة تدخل مديريتها الإقليمية بالجديدة، وهو ما يؤكد أن الشبكات تحتاج فعلاً إلى تدخلات واستثمارات مهمة. أحد طلبات العروض المنشورة في هذا المجال بلغت كلفته التقديرية أكثر من 15.47 مليون درهم.
كما طُرح في 2026 طلب عروض يتعلق بخدمات الحد من ضياع الماء الصالح للشرب على مستوى المديرية الإقليمية بالجديدة، بكلفة تقديرية تقارب 4.9 ملايين درهم، وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد شكايات متفرقة: كيف تُصرف هذه الاستثمارات؟ وما مدى انعكاسها فعلياً على جودة الشبكات والخدمات؟
لا يمكن إنكار أن بعض الانقطاعات قد تكون مرتبطة بأعطاب أو بأشغال ضرورية لإصلاح الشبكات، والشركة نفسها تنشر بلاغات لإخبار الزبناء بانقطاعات مبرمجة أو اضطرارية، وتقدم اعتذاراتها عند حدوثها.
لكن الإشكال يبدأ عندما يشعر المواطن بأن الانقطاع يحدث دون إخبار كافٍ، أو أن الشكاية لا تجد طريقها إلى الحل، أو أن العطب يتكرر دون معالجة جذرية.
فالمرفق العمومي لا يُقاس فقط بقدرته على إعادة الماء أو الكهرباء بعد وقوع العطب، وإنما أيضاً بسرعة التدخل، وجودة الإصلاح، ووضوح التواصل، واحترام المواطن الذي يؤدي فاتورته وينتظر في المقابل خدمة منتظمة.
اليوم، تحتاج الشركة الجهوية متعددة الخدمات إلى الخروج من منطق الدفاع عن الحصيلة إلى منطق تقديم الأرقام والمعطيات، كم عدد الشكايات المسجلة بالجديدة خلال السنة الأخيرة؟ كم منها يتعلق بالفواتير؟ كم عدد الفواتير التي تمت مراجعتها بعد شكايات المواطنين؟ ما متوسط آجال معالجة الأعطاب؟ كم من حفرة تم إصلاحها وإعادة تزفيتها؟ ومن يراقب جودة الأشغال المنجزة بعد تدخل فرق الشركة أو المقاولات المتعاقدة معها؟
هذه الأسئلة ليست استهدافاً للشركة، وإنما جزء من حق المواطن في معرفة كيف يتم تدبير مرفق عمومي أساسي يمس حياته اليومية بشكل مباشر.
والأهم أن انتقال التدبير إلى شركة جهوية لم يكن يفترض أن يكون مجرد إعادة توزيع للمسؤوليات، بل مناسبة لإعادة بناء علاقة جديدة بين المرفق والمرتفق، قوامها الشفافية والسرعة والنجاعة والاحترام.
أما إذا ظل المواطن يشتكي من فاتورة غير مفهومة، أو ينتظر معالجة عطب، أو يجد شارعاً محفوراً بعد إصلاح شبكة، فإن السؤال سيظل قائماً: أين هو التحسن الذي وعد به نموذج التدبير الجديد؟
الجديدة تستحق خدمات تليق بمدينة كبرى، والشركة الجهوية مطالبة بأن تجعل من هذه الشكايات فرصة للمراجعة والتصحيح، لا مناسبة لتبادل المسؤوليات.
وفي النهاية، فإن معيار النجاح بسيط وواضح: فاتورة مفهومة، عداد يُقرأ، شكاية تُعالج، عطب يُصلح، وشارع يُعاد إلى حالته بعد انتهاء الأشغال. وما عدا ذلك سيبقي ملف الشركة الجهوية متعددة الخدمات مفتوحاً على مزيد من الأسئلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد