فاس: المحطة الطرقية خارج السيطرة و”الكورتية” والفوضى يسيئون إلى صورة العاصمة العلمية

هبة زووم – فاس
هل يعقل أن تكون المحطة الطرقية لمدينة بحجم فاس، المدينة التي يفترض أن تستقبل يومياً آلاف المسافرين، في هذه الوضعية التي تسيء إلى صورة المدينة وتطرح علامات استفهام ثقيلة حول من يدبر ويراقب هذا المرفق؟
المشهد، بحسب شكايات ومعطيات متداولة، لم يعد مجرد اختلال عابر في مرفق عمومي، بل أصبح عنواناً لفوضى تتداخل فيها الأوساخ، والارتباك في حركة الحافلات، وانتشار الوسطاء المعروفين بـ«الكورتية»، وسط تساؤلات مشروعة حول الجهة التي يفترض أن تضع حداً لهذه المظاهر.
وسبق أن نشرت منابر محلية إفادات حول فوضى محيط المحطة بسبب كثرة «الكورتية»، بما في ذلك وقائع شجارات واعتداءات مرتبطة بالتنافس على استقطاب المسافرين واحترام توقيت وفضاءات الحافلات.
المشكلة ليست في وجود مهني يساعد المسافر على معرفة وجهته، وإنما في أن يتحول الوسيط إلى طرف يفرض نفسه على المسافر، ويتدخل في عملية بيع التذاكر أو توجيه الحافلات أو استقطاب الزبائن خارج القواعد المنظمة.
فقد سبق أن أثيرت، في محيط المحطة، شكايات تتحدث عن حافلات تقف خارج الأماكن المخصصة لها، وعن تدخل الوسطاء في توجيه المسافرين واستقطابهم، بل وعن تساؤلات حول مراقبة أوقات الحافلات وأسعار التذاكر.
وهنا يصبح السؤال أكبر من “الكورتية” أنفسهم: من سمح لهم بالعمل بهذه الطريقة؟ ومن يراقبهم؟ ومن يمنع تجاوزاتهم إن ثبتت؟ لأن الفوضى لا تستمر طويلاً في مرفق عمومي إلا عندما تغيب المراقبة أو تصبح عاجزة عن فرض النظام.
ومعلوم أن المحطة الطرقية ليست مجرد مكان تصطف فيه الحافلات، إنها بوابة للمدينة، وأول فضاء يراه جزء كبير من الزوار والمسافرين القادمين إلى فاس، ولهذا فإن تراكم الأزبال، أو أعطاب الصرف الصحي، أو الفوضى في محيط الشبابيك والحافلات، لا يمثل فقط مشكلة نظافة أو تدبير يومي، بل يتحول إلى صورة تختزل كيف تتعامل المدينة مع مرفق يفترض أن يكون منظماً وآمناً.
وقد سبق أن تداولت وسائل إعلام محلية شكايات حول أعطاب في قنوات الصرف الصحي وتراكم الأزبال بالمحطة، إلى جانب مزاعم عن ممارسات مرتبطة بـ”الكورتية” وأسعار التذاكر.
والسؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس فقط: لماذا يتصرف بعض “الكورتية” بهذه الطريقة؟ بل: أين الإدارة المشرفة على المحطة؟ أين المصالح المكلفة بالمراقبة؟ أين السلطات المحلية؟ وأين الأجهزة الأمنية عندما تتحول الفوضى إلى تهديد لسلامة المسافرين؟
فالحديث عن “بلطجة”ل أو مضايقات أو اعتداءات، إن ثبتت في وقائع محددة، لا يمكن أن يعالج بمنطق التساهل أو التطبيع مع الأمر الواقع، وفي المقابل، فإن محاربة الفوضى لا تعني التضييق على مهنيي النقل أو حرمان أي شخص من مورد رزقه، وإنما تعني تنظيم المرفق، تحديد المسؤوليات، وضبط كل نشاط داخل إطار قانوني واضح.
فإذا كانت الفوضى مرتبطة، جزئياً، بطريقة بيع التذاكر وتوجيه المسافرين، فلماذا لا يتم تسريع رقمنة الخدمات؟ فيمكن للمسافر أن يعرف الرحلات، الأسعار، أوقات الانطلاق، ورقم الرصيف أو الحافلة، دون الحاجة إلى المرور عبر وسطاء مجهولين، وهذا من شأنه أن يقلص مساحة التدخل غير المنظم، ويجعل العلاقة مباشرة بين المسافر والجهة المرخصة.
كما أن وضع كاميرات للمراقبة، وتحديد أماكن الحافلات، واحترام التوقيت، وتنظيم الولوج إلى الأرصفة، وتشديد المراقبة على محيط المحطة، كلها إجراءات بسيطة مقارنة بحجم الضرر الذي تسببه الفوضى المستمرة.
وإذا كانت المحطة تعاني من الأزبال، فمن المسؤول عن النظافة؟ إذا كان الصرف الصحي معطلاً، فمن المسؤول عن الصيانة؟ إذا كانت الحافلات تقف خارج الأماكن المحددة، فمن المسؤول عن تطبيق النظام؟ إذا كان المسافر يتعرض للمضايقة أو الاستدراج أو فرض أسعار غير واضحة، فمن المسؤول عن حمايته؟ وإذا كان بعض الوسطاء يتحركون بحرية داخل محيط مرفق عمومي ويفرضون أنفسهم على المسافرين، فمن المسؤول عن مراقبة نشاطهم؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية التي ينبغي أن تكون على طاولة المسؤولين، وليس الاكتفاء بملاحقة المشهد بعد وقوع الفوضى، فالمحطة الطرقية لفاس لا تحتاج إلى حملات موسمية لالتقاط الصور، وإنما تحتاج إلى إصلاح حقيقي ومستمر يعيد للمرفق هيبته ووظيفته.
وإذا كان هناك من يعتقد أن الفوضى أصبحت أمراً عادياً، وأن “الكورتية” جزء لا يمكن المساس به من المشهد، فإن ذلك يعني أن التدبير قد استسلم للأمر الواقع، أما إذا كانت الدولة والجماعة والسلطات تريد فعلاً حماية صورة فاس، فالبداية واضحة:
تنظيم المحطة، تنظيفها، ضبط محيطها، حماية المسافرين، وضع حد لأي وساطة غير قانونية، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في تجاوزات، أياً كان موقعه أو الجهة التي تقف خلفه.
فالمسافر الذي يدخل محطة طرقية عمومية لا يبحث عن معركة مع “الكورتي”، ولا عن تفاوض على ثمن تذكرة، ولا عن المرور وسط الأزبال والفوضى. إنه يريد شيئاً بسيطاً جداً: أن يسافر بأمان، وبسعر واضح، ومن مكان منظم، وتحت حماية القانون.
أما أن تتحول محطة مدينة فاس إلى فضاء يفرض فيه الأقوى منطقه على المسافر، فهنا لا تعود المشكلة مشكلة “كورتية” فقط، وإنما تصبح مشكلة تدبير ومسؤولية ومراقبة ومحاسبة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد