من بوابة المدرسة إلى “السليسيون” سلوكيات مقلقة تدق ناقوس الخطر بفاس

هبة زووم – فاس
لم يعد النقاش حول المدرسة العمومية مرتبطاً فقط بجودة التحصيل الدراسي أو نتائج الامتحانات، بل أصبح يمتد إلى طبيعة الحياة اليومية التي يعيشها التلاميذ داخل المؤسسات التعليمية وفي محيطها، في ظل بروز سلوكيات مقلقة يصفها عدد من الفاعلين التربويين بأنها مؤشرات على حاجة المدرسة إلى مزيد من التأطير والمواكبة والدعم النفسي والاجتماعي.
ففي عدد من المؤسسات التعليمية بفاس، كما هو الحال في مناطق أخرى، يثير محيط المدارس انتباه الأسر والمهتمين بالشأن التربوي بسبب بعض المظاهر والسلوكيات المرتبطة بفئة من التلاميذ، من قبيل الغياب المتكرر، وإثارة الفوضى داخل المؤسسات، والعنف، والاستعمال غير المنضبط للهواتف النقالة، وبعض مظاهر اللباس أو السلوك التي تثير نقاشاً بين الأسر والأطر التربوية.
ولا تتوقف آثار هذه السلوكيات عند حدود محيط المؤسسة، بل قد تجد طريقها إلى الحجرات الدراسية، حيث يجد المدرسون أنفسهم أمام تحديات تتجاوز في بعض الأحيان مهمة التدريس التقليدية، وتفرض عليهم تدبير حالات سلوكية واجتماعية ونفسية تحتاج إلى تدخل متخصص.
وهنا يبرز أحد أكبر الأسئلة التي تواجه المدرسة اليوم: هل يستطيع المدرس وحده معالجة جميع الإشكالات التي تصل إلى القسم؟
فالمدرس، مهما كانت خبرته وكفاءته، لا يمكن أن يتحول في الوقت نفسه إلى أستاذ ووسيط اجتماعي وأخصائي نفسي ومؤطر سلوكي. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى تعزيز حضور المتخصصين في الدعم النفسي والاجتماعي داخل المؤسسات التعليمية، بما يسمح بالتعامل مع الصعوبات التي يواجهها بعض التلاميذ في الوقت المناسب، قبل أن تتحول إلى حالات انقطاع أو عنف أو انحراف سلوكي.
المدرسة يفترض أن تكون البيت الثاني للطفل، غير أن هذا الدور لا يمكن أن يتحقق فقط عبر توفير الأقسام والمقاعد والسبورات، بل يحتاج إلى فضاء مدرسي يشعر فيه التلميذ بأنه جزء من مجتمع تربوي حي.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة التفكير في بنيات الاستقبال داخل عدد من المؤسسات التعليمية، بما يجعلها أكثر جاذبية وملاءمة للطفولة والمراهقة، سواء من الناحية المعمارية أو التجهيزية أو الجمالية.
فالرهان على البنية المدرسية ليس ترفاً، وإنما جزء من بناء بيئة تساعد على التعلم والاستقرار النفسي والانخراط في الحياة المدرسية.
وتشكل الأنشطة التربوية والرياضية والفنية والثقافية إحدى الأدوات الأساسية لاستعادة هذا الدور، لأنها تمنح التلميذ فرصة للتعبير عن مواهبه وقدراته خارج حدود المقرر الدراسي، وتساعده على بناء علاقات إيجابية داخل المؤسسة.
لكن تفعيل الحياة المدرسية يحتاج، في المقابل، إلى شروط واضحة، وفي مقدمتها توفير الوقت والموارد والأطر المؤهلة، فضلاً عن دعم الأساتذة وتحفيزهم على الانخراط في هذه الأنشطة.
هذا، ويطرح ضغط الزمن الدراسي بدوره سؤالاً لا يمكن تجاهله، ففي بعض الحالات، يقضي التلاميذ ساعات طويلة داخل المؤسسات التعليمية، بين حصص صباحية ومسائية، في ظل تعدد المواد الدراسية وكثافة البرامج والمقررات، وهو ما يثير نقاشاً حول قدرة التلميذ على الاستيعاب والتركيز، وعلى ممارسة أنشطة موازية يفترض أن تكون جزءاً من حياته المدرسية.
والأكثر إثارة للمفارقة أن بعض الأنشطة الموازية قد تجد نفسها أحياناً مضطرة إلى اقتطاع جزء من الزمن المخصص للتعلم، في غياب حيز زمني واضح ومستقل يسمح بممارسة هذه الأنشطة دون أن تتحول إلى منافس للحصة الدراسية.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى تصور متكامل للحياة المدرسية، لا يقوم على مبادرات ظرفية أو مناسباتية، وإنما يجعل الأنشطة الثقافية والرياضية والفنية والإبداعية جزءاً منظماً من الزمن المدرسي.
إلى جانب السلوكيات التي تشغل المؤسسات التعليمية، تبرز مسألة أخرى مرتبطة بكثافة البرامج الدراسية وتعدد المواد والاختبارات، وما يترتب عنها من ضغط على التلاميذ والأساتذة والأسر على حد سواء.
فالتلميذ الذي ينتقل يومياً بين عدد كبير من المواد والحصص، ثم يواجه فترات مكثفة من المراقبة المستمرة، قد يجد نفسه أمام ضغط زمني ودراسي كبير، خصوصاً عندما لا تتوفر له شروط الراحة والدعم والمواكبة.
لذلك فإن أي نقاش جدي حول جودة التعليم لا يمكن أن يقتصر على إضافة مواد وبرامج وأنشطة جديدة، بل ينبغي أن يشمل أيضاً سؤال ماذا نُدرّس؟ وكم نُدرّس؟ وكيف نُدرّس؟
فتخفيف الحشو، وتركيز التعلمات الأساسية، وإعطاء مساحة أكبر للأنشطة الإبداعية والرياضية والثقافية، قد يشكل جزءاً من إعادة التوازن إلى الحياة المدرسية، بدل أن تتحول المؤسسة إلى فضاء يقوم على الحضور الإجباري والتحصيل والاختبار فقط.
المشكلة لا تبدأ بالضرورة داخل المدرسة، كما أنها لا تنتهي عند بوابتها، فالتلميذ يعيش وسط أسرة وحي وشارع وفضاءات رقمية، ويتفاعل يومياً مع نماذج متعددة من السلوك والقيم. وكلما اتسعت المسافة بين المؤسسة التعليمية وهذه البيئة المحيطة، أصبح من الصعب على المدرسة أن تقوم وحدها بدورها التربوي.
ولهذا، فإن مواجهة مظاهر العنف والغياب والانقطاع والسلوكيات غير المنضبطة تحتاج إلى مقاربة جماعية تشارك فيها الأسرة والمدرسة والجماعة والقطاعات الاجتماعية والصحية والفعاليات المدنية، كل في حدود اختصاصه.
كما أن الحديث عن بعض الظواهر الخطيرة، مثل الإدمان أو التشرد أو الاستغلال الجنسي أو الجريمة، يجب أن يتم بعيداً عن التعميم أو تحميل التلاميذ مسبقاً مسؤولية مسارات لم يسلكوها، لأن الغالبية الساحقة من المتعلمين تبقى في الأصل داخل مسار الدراسة والحياة الطبيعية.
لكن تجاهل وجود فئات من الأطفال والشباب معرضة للهشاشة أو الانقطاع عن الدراسة يبقى بدوره خطراً لا ينبغي الاستهانة به.
فحين يغيب التأطير، ويضعف الدعم، وتتراجع جاذبية المدرسة، ويجد الطفل نفسه أمام فراغ اجتماعي أو أسري أو تربوي، قد تصبح بعض البدائل غير الآمنة أكثر حضوراً في حياته.
وهنا تحديداً ينبغي أن يدق ناقوس الخطر، ليس من خلال تخويف التلاميذ أو وصمهم، وإنما عبر الوقاية المبكرة، والدعم النفسي والاجتماعي، وتقوية المدرسة، وإعادة الاعتبار للحياة المدرسية، ومواجهة الهدر المدرسي والانقطاع قبل استفحالهما.
فالرهان الحقيقي ليس فقط على أن ينجح التلميذ في امتحان، وإنما على أن يجد داخل المدرسة ما يجعله متمسكاً بها، وقادراً على اكتشاف مواهبه، وبناء شخصيته، والشعور بأنه جزء من المجتمع.
أما ترك الفراغ يتسع، فهو ما قد يفتح الباب أمام بدائل متعددة؛ بعضها قد يكون مجرد فضاءات للترفيه، وبعضها قد يقود إلى الإدمان أو التشرد أو الاستغلال أو الجريمة.
وبين مدرسة جاذبة وقادرة على الاحتضان، وشارع قد يقدم نماذج مختلفة، تظل المعركة الحقيقية معركة **تربية وتأطير ووقاية وإدماج**، لأن حماية المدرسة تعني في النهاية حماية جزء أساسي من مستقبل المجتمع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد