هبة زووم – الرباط
لم تعد أزمة مربي دجاج اللحم بالمغرب مجرد تقلب عابر في الأسعار أو اختلال ظرفي في العرض والطلب، بل تحولت إلى جرس إنذار حقيقي يكشف عمق الأعطاب التي تنخر واحدة من أكثر السلاسل الإنتاجية ارتباطاً بالأمن الغذائي للمغاربة.
فالبيان الصادر عن الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم جاء هذه المرة بلغة غير مسبوقة من حيث الحدة والقلق، بعدما وصلت أوضاع آلاف المربين إلى مرحلة وصفتها الجمعية بالخطر الوجودي على القطاع برمته، والسبب بسيط وصادم في الوقت نفسه: المنتج يبيع بأقل من نصف تكلفة الإنتاج، بينما تستمر الخسائر في التراكم يوماً بعد يوم دون أي تدخل فعلي يعيد التوازن إلى السوق.
أن ينخفض سعر بيع الكيلوغرام الواحد من الدجاج الحي إلى أقل من سبعة دراهم، في وقت تتجاوز فيه كلفة إنتاجه خمسة عشر درهماً، فذلك ليس مجرد أزمة أسعار، بل إعلان عملي عن انهيار المنطق الاقتصادي الذي يفترض أن تقوم عليه أي منظومة إنتاجية سليمة، فلا أحد يمكنه الاستمرار في الإنتاج وهو يبيع بخسارة مؤكدة، ولا أي قطاع يستطيع الصمود طويلاً في ظل هذا النزيف المالي المتواصل.
المثير للانتباه أن هذه الأزمة لا تضرب فقط المربين الصغار والمتوسطين، بل تهدد مستقبلاً استقرار السوق الوطنية بأكملها، فحين يغادر المنتجون الضيعات تحت ضغط الإفلاس، فإن النتيجة الطبيعية ستكون تراجع العرض الوطني وفتح الباب أمام أزمات تموين وارتفاعات مفاجئة في الأسعار يدفع ثمنها المستهلك المغربي في نهاية المطاف.
وتزداد خطورة الوضع عندما تتحدث الهيئات المهنية عن وجود ممارسات احتكارية ومضاربات تساهم في اختلال السوق، دون أن يقابل ذلك بحزم رقابي أو بإجراءات تنظيمية قادرة على حماية المنتجين، وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لقطاع استراتيجي بهذا الحجم أن يظل رهينة فوضى السوق ومصالح الوسطاء والمضاربين دون تدخل فعال من الجهات الوصية؟
لقد اعتاد الرأي العام خلال السنوات الأخيرة على سماع شكاوى متكررة من الفلاحين ومربي الماشية ومنتجي الحليب، لكن ما يحدث اليوم في قطاع الدواجن يحمل خصوصية مختلفة، لأن الأمر يتعلق بأحد أهم مصادر البروتين الحيواني الأكثر استهلاكاً من طرف الأسر المغربية، وأي انهيار واسع داخل هذا القطاع ستكون له تداعيات اجتماعية واقتصادية تتجاوز حدود الضيعات لتصل إلى موائد المواطنين.
كما أن استمرار صمت الجهات المعنية يثير الكثير من علامات الاستفهام. فإذا كانت الدولة تتحدث باستمرار عن السيادة الغذائية وتعزيز الإنتاج الوطني، فإن أول اختبار حقيقي لهذه الشعارات يكمن في حماية المنتج الوطني عندما يتعرض لخسائر تهدد استمراره، لا الاكتفاء بمراقبة الأزمة من بعيد.
واليوم، لم يعد المربون يطالبون بالدعم الاستثنائي أو الامتيازات الخاصة، بل يطالبون بأبسط قواعد العدالة الاقتصادية: سوق منظم، ومنافسة نزيهة، ورقابة فعالة على المضاربات، وآليات تضمن الحد الأدنى من التوازن بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع.
إن الأزمة الحالية لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية خسائر المربين، بل باعتبارها مؤشراً على اختلالات أعمق داخل منظومة تسويق المنتجات الفلاحية والغذائية بالمغرب، فحين ينهار المنتج بينما تستمر حلقات أخرى في تحقيق الأرباح، يصبح من المشروع التساؤل: من المستفيد الحقيقي من هذا الوضع؟ ومن يتحمل مسؤولية ترك آلاف المربين يواجهون مصيرهم وسط دوامة الخسائر والإفلاس؟
إن إنقاذ قطاع الدواجن لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية وأمنية. لأن فقدان المنتج الوطني لا يعني فقط خسارة استثمارات وآلاف مناصب الشغل، بل يعني أيضاً تهديد أحد أعمدة الأمن الغذائي للمملكة، وهو ثمن سيكون أكبر بكثير من كلفة التدخل العاجل لإنقاذ القطاع اليوم.
تعليقات الزوار