مجلس المنافسة يداهم شركات التوريد الطبي وسط شبهات احتكار تثير قلق القطاع الصحي

هبة زووم – الرباط
في خطوة غير مسبوقة تعكس تصعيداً في مراقبة السوق الوطنية، قامت مصالح التحقيق والبحث لدى مجلس المنافسة، يوم الثلاثاء الماضي، بعمليات زيارة فجائية وحجز متزامن لدى فاعلين في سوق توريد المستلزمات الطبية، وذلك بناء على شبهات ممارسات منافية للمنافسة قد تمس بقدرة المواطنين على الولوج للعلاج بأسعار عادلة.
وجاءت هذه العمليات، وفق بلاغ للمقرر العام لمجلس المنافسة، بترخيص من وكيل الملك، وبمؤازرة ضباط الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، تطبيقاً لأحكام المادة 72 من القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.
خطوة إجرائية قد تبدو روتينية، لكنها في الواقع تحمل في طياتها إشارة قوية على أن القطاع الصحي، وتحديداً سلسلة توريد المستلزمات الطبية، قد يكون موضوعاً لتحقيقات في ممارسات قد تصل إلى حد “الاحتكار” أو “التواطؤ في الأسعار”.
وتتميز الزيارات الفجائية بطابعها المفاجئ، الذي يهدف إلى منع إتلاف الأدلة أو التلاعب بالمعطيات قبل وصول أجهزة التحقيق.
وفي قطاع حساس كقطاع المستلزمات الطبية، حيث تتداخل المصالح التجارية مع الحق الأساسي في الصحة، يكتسب هذا التوقيت دلالات خاصة، خاصة أن المستلزمات الطبية ليست سلعاً استهلاكية عادية، بل مواد حيوية تمس حياة المواطنين.
وقد تكون العمليات مرتبطة بمؤشرات حول ارتفاع غير مبرر في أسعار بعض المواد الطبية، مما يوجه رسالة ردع واضحة للفاعلين في السوق بأن “قانون المنافسة” ليس حبراً على ورق.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: ما هي الممارسات المشتبه فيها تحديداً؟ هل يتعلق الأمر بتواطؤ في تحديد الأسعار؟ أم احتكار لتوريد مواد معينة؟ أم عرقلة دخول فاعلين جدد للسوق؟
ويحرص بلاغ مجلس المنافسة على التأكيد بأن إنجاز عمليات الزيارة والحجز “لا يعني قيام ووجود الممارسات المنافية للمنافسة المشتبه فيها أو ثبوت مسؤولية الفاعلين المعنيين”.
هذا التوضيح ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو التزام بمبدأ قرينة البراءة وحقوق الدفاع التي يكرسها القانون المغربي. غير أن هذا الحذر القانوني لا يجب أن يُفهم على أنه تقليل من خطورة الشبهات.
فمجلس المنافسة لا يقرر القيام بعمليات داهمة متزامنة وحجز وثائق إلا بعد جمع مؤشرات أولية جدية. وبالتالي، فإن “الشبهات” المذكورة تستحق المتابعة والتحليل، حتى لو لم تُعلن هوية المعنيين بعد.
وأشار البلاغ إلى أن مجلس المنافسة لن يدلي، في الوقت الراهن، بأي تعليق حول هوية الفاعلين الذين تمت زيارتهم أو تفاصيل الممارسات موضوع التحقيق، وذلك “نظراً لاعتبارات مرتبطة باحترام حقوق دفاع الفاعلين”.
هذا الموقف، رغم شرعيته القانونية، يثير تساؤلات مشروعة حول المصلحة العامة، ففي قطاع يمس الصحة، ألا يحق للمواطنين معرفة من يُشتبه في ممارسات قد تؤثر على أسعار العلاج؟ وكيف نوازن بين السرية والشفافية؟ وهل يمكن لمجلس المنافسة أن يعلن عن طبيعة الشبهات دون كشف الهويات؟
ويُعد قطاع توريد المستلزمات الطبية من أكثر القطاعات حساسية في أي بلد، نظراً لطبيعة الطلب غير المرن، حيث يحتاج المرضى للمواد الطبية بغض النظر عن السعر، مما يُسهل الممارسات الاحتكارية.
كما أن تعقد سلسلة التوريد وتعدد الوسطاء قد يُخفي ممارسات التواطؤ في الأسعار، ناهيك عن الاعتماد على الاستيراد الذي قد يُستغل لتبرير ارتفاع الأسعار أو عرقلة دخول موردين جدد.
وفي هذا السياق، تكتسب تحقيقات مجلس المنافسة أهمية استثنائية. فأي ممارسة منافية للمنافسة في هذا القطاع لا تمس فقط “السوق”، بل تمس مباشرة القدرة الشرائية للمرضى وجودة الولوج للعلاج.
ووفقاً للبلاغ، يبقى للهيئات التداولية لمجلس المنافسة وحدها صلاحية البت في الممارسات المذكورة، بعد إجراء تحقيق معمق وفق مسطرة تواجهية تحترم حقوق الدفاع.
هذه المسطرة قد تستغرق أشهراً، وقد تُفضي إلى تبرئة الفاعلين إذا لم تثبت الشبهات، أو توقيع غرامات مالية قد تصل لملايين الدراهم في حال ثبوت الممارسات المنافية، أو إصدار توصيات لإصلاح ثغرات تنظيمية في سوق التوريد الطبي، أو حتى إحالة الملف للنيابة العامة إذا كانت الممارسات ترقى لمستوى جرائم اقتصادية.
لكن التحدي الأكبر ليس في “العقوبة”، بل في الوقاية. فكيف يمكن لمجلس المنافسة، بالتعاون مع وزارة الصحة وهيئات الرقابة الأخرى، منع تكرار مثل هذه الممارسات في قطاع حيوي كقطاع الصحة؟
في النهاية، لم تعد عمليات مجلس المنافسة مجرد إجراء روتيني لمراقبة الأسعار. إنها إشارة واضحة على أن المنافسة العادلة في القطاع الصحي ليست ترفاً، بل ضرورة أخلاقية وقانونية.
فإذا كانت التحقيقات ستكشف عن ممارسات احتكارية أو تواطؤ في الأسعار، فإن المسؤولية لا تتوقف عند معاقبة المخالفين، بل تمتد لتشمل مراجعة آليات تسعير المستلزمات الطبية لضمان شفافيتها، وتعزيز الرقابة على سلسلة التوريد من المصنع إلى المريض، وحماية الموردين الصغار من ممارسات الإقصاء التي قد يمارسها الكبار.
المواطن المريض لا يهتم بـ”من فاز” في معركة المنافسة، بل يهتم بأن يجد دواءه بسعر عادل، وفي الوقت المناسب، فإما أن تُترجم تحقيقات مجلس المنافسة إلى إصلاحات ملموسة تحمي جيوب المرضى وجودة علاجهم، وإما أن تبقى مجرد “عمليات إعلامية” تهدئ الخواطر دون تغيير الواقع، والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة ليقول: كفى لاستغلال حاجة الناس للعلاج.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد