هبة زووم – الرباط
كشفت البرلمانية حياة لعرايش، عضو فريق الاتحاد الاشتراكي-المعارضة الاتحادية، عن مفارقة غريبة تُثير قلق الرأي العام وتُثقل كاهل المواطنين: انخفاض ملحوظ في أسعار الدواجن على مستوى “الضيعات” (أسعار الإنتاج) نتيجة وفرة العرض، مقابل استمرار أسعار البيع للعموم في الأسواق والمحلات التجارية في مستويات مرتفعة لا تتناسب مع كلفة الإنتاج الحالية.
هذا التباين الصارخ، الذي أثارته البرلمانية في سؤال كتابي موجه لوزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، يطرح سؤالاً وجودياً: أين تذهب “فروق الأسعار” بين المنتج والمستهلك؟ ومن يستفيد من هذا “اللغز” الذي يُرهق جيوب المواطنين؟
وأوضحت البرلمانية أن الوضع يكشف بوضوح عن وجود اختلالات بنيوية في مسار التسويق، حيث يستغل الوسطاء والمضاربون غياب الرقابة الصارمة للتحكم في سلاسل التوريد، مما يؤدي إلى تضخم هوامش الربح على حساب القدرة الشرائية للمواطن، وعلى حساب المربين الصغار الذين يواجهون خطر الإفلاس.
فبينما ينخفض سعر الإنتاج في الضيعات بسبب وفرة العرض، يبقى سعر التقسيط للمستهلك “محصناً” ضد أي انخفاض، في مفارقة تُفقد الثقة في آليات السوق الحر وتُعيد فتح نقاش حاد حول دور الدولة في ضبط الأسعار وحماية القدرة الشرائية.
وتساءلت البرلمانية حياة لعرايش عن مصير مخطط الوزارة لتأهيل أسواق الجملة وتحديث قنوات التوزيع، خاصة المجازر العصرية وسلسلة التبريد، لقطع الطريق على العشوائية التي يتغذى عليها المضاربون.
كما وجهت سؤالاً أكثر حدة: هل تعتزم الوزارة التنسيق مع القطاعات الأخرى لفرض رقابة صارمة على “الشناقة” الذين يتحكمون في بورصة الدواجن خارج منطق العرض والطلب الحقيقي؟
هذه الأسئلة ليست “رفاهية برلمانية”، بل تعكس واقعاً مؤلماً يعيشه المواطن الذي يُجبر على شراء الدواجن بأسعار لا تعكس كلفة الإنتاج الحقيقية، والمربي الصغير الذي يُباع إنتاجه بأسعار منخفضة بينما يربح الوسطاء هوامش خيالية، والاقتصاد الوطني الذي يفقد الثقة في آليات السوق عندما تتحكم “مافيا التوزيع” في الأسعار.
وفي سؤالها الكتابي، لم تكتفِ البرلمانية لعرايش برصد الظاهرة، بل طالبت بإجابات شافية حول التدابير الاستعجالية التي ستتخذها الوزارة لضبط مسارات تسويق الدواجن والحد من تدخل الوسطاء والمضاربين.
كما تساءلت عن أسباب عدم تفعيل آليات تتبع الأسعار من الضيعة إلى المستهلك النهائي لضمان هوامش ربح عادلة ومنطقية، وعن مصير مخطط تأهيل أسواق الجملة وتحديث سلسلة التبريد لقطع الطريق على المضاربة.
هذه الأسئلة تضع الوزارة أمام مسؤوليتها التاريخية في حماية المواطن وضبط السوق، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة العيش الذي يُثقل كاهل الأسر المغربية.
وينص الدستور المغربي في فصله 31 على أن “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في: الحماية من الاحتكار ومن كل أشكال الغش التجاري”.
كما يُلزم القانون رقم 31.08 المتعلق بحماية المستهلك السلطات العمومية بـ”مراقبة الأسعار” و”منع الممارسات التجارية المخالفة” و”معاقبة كل من يمارس الغش أو المضاربة”.
فحين تستمر “فجوة الأسعار” بين الإنتاج والاستهلاك دون رقابة فعالة، فإن السؤال يفرض نفسه: أين هي الآليات القانونية المضمونة لحماية المواطن من “جشع” سلسلة التوزيع؟
في النهاية، لم يعد لغز أسعار الدواجن مجرد “خبر اقتصادي عابر”. إنه اختبار حقيقي لقدرة وزارة الفلاحة على ضبط السوق وحماية القدرة الشرائية.
فإذا كانت الوزارة جادة في إنقاذ المواطن والمربي الصغير، فلا بد من خطوات ملموسة: تفعيل رقابة صارمة على سلسلة التوزيع من الضيعة إلى المائدة، ونشر أسعار مرجعية يومية للمنتج والمستهلك لضمان الشفافية، وتأهيل أسواق الجملة وسلسلة التبريد لقطع الطريق على المضاربين، ومحاسبة “الشناقة” الذين يتحكمون في الأسعار خارج أي منطق اقتصادي، ودعم المربين الصغار لضمان استدامة الإنتاج وحمايتهم من الإفلاس.
المواطن المغربي لا يحتاج إلى وعود. يحتاج إلى دجاجة بسعر يُعقل، وربح عادل للمنتج، ورقابة حقيقية تمنع “نهب” جيوب الأسر، فإما رقابة شجاعة تُنقذ القدرة الشرائية، وإما استمرار في “اللغز” الذي يُثقل كاهل المواطنين ويُهدد استقرار القطاع.
تعليقات الزوار