من “مدينة الله يعمرها دار” إلى “مسلسل البخلاء”: تشويه ممنهج أم جهل فادح بواقع الرشيدية؟

هبة زووم – محمد الداودي
في شهر رمضان، حيث تتزايد المشاهدات وتتضاعف تأثيرات الشاشة الصغيرة، لم تعد “الضحكة” البريئة مجرد تسلية عابرة، بل قد تتحول إلى “سكين” تجرح كرامة مجتمعات بأكملها.
هذا ما عاشه سكان إقليم الرشيدية، قلب الصحراء المغربية ورمز الكرم الأمازيغي، بعد حلقة من مسلسل “شكون كان يقول” المعروض على القناة الأولى، جسدت شباب المنطقة بـ”البخلاء والمساكين”، في مشهد أثار عاصفة من الرفض والاستنكار تجاوزت حدود الإقليم إلى كل مغربي يغار على كرامة بلده
ما قدمه المسلسل ليس “نقداً اجتماعياً بريئاً” ولا “كوميديا هادفة”، بل هو تنميط مجحف يستبيح صورة مجتمع عريق، معروف بكرمه وجوده وانفتاحه على الغرباء.
مدينة الرشيدية، التي يلقبها أبناؤها بـ”مدينة الله يعمرها دار” لكرم ساكنتها وفتحها أبوابها لكل قاصد، لا تستحق أن تُختزل في صورة نمطية رخيصة تخدم “فكاهة” سطحية على حساب كرامة الآلاف.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في “مشهد عابر”، بل في تطبيع الإعلام العمومي مع الإساءة للمناطق والهويات، تحت ذريعة “الدراما” أو “الترفيه”، فعندما يتحول الفن إلى أداة لتشويه الواقع بدلاً من عكسه أو نقده بذكاء، فإنه يفقد شرعيته الأخلاقية ويصبح جزءاً من المشكلة بدلاً من الحل.
ينص الفصل 31 من الدستور المغربي على أن “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين من الحق في: …الحماية من كل أشكال التمييز”.
كما أن القانون رقم 77.03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري يُلزم الهيئات الإعلامية بـ”احترام كرامة الإنسان” و”تجنب كل ما من شأنه المساس بالهوية الثقافية للمجتمعات”.
فكيف نقبل، في قناة عمومية مفترض أنها “خدمة عامة”، أن يُقدَّم مواطنو جهة كاملة في صورة “بخلاء ومساكين”؟ وأي “مسؤولية اجتماعية” تتحملها “هاكا” (الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري) حين تسمح بنشر محتوى يُهين كرامة المغاربة تحت غطاء “الدراما”؟
إن مطالب ساكنة الرشيدية والفاعلين الاجتماعيين ليست “حساسية مفرطة” ولا “رقابة رجعية”، بل هي نداء مشروع لحماية كرامة المواطنين وضمان احترام مبادئ الإعلام المسؤول: سحب الحلقة المسيئة فوراً من منصات البث، ومنع إعادة عرضها، كحد أدنى من الاحترام لكرامة المتضررين، اعتذار رسمي وعلني من القناة الأولى وهيئة “هاكا” لسكان الرشيدية، يعترف بالخطأ ويعيد الاعتبار لصورة المنطقة، فتح تحقيق إداري حول ظروف إنتاج وبث هذه الحلقة، ومحاسبة المسؤولين عن هذا “التقصير المهني والأخلاقي”، إصدار دليل أخلاقي ملزم للأعمال الدرامية الرمضانية، يمنع التنميط الجهوي أو السخريّة من الهويات الثقافية تحت أي مبرر، مع تشجيع دراما مسؤولة تعكس تنوع المغرب وثرائه الثقافي دون إساءة أو اختزال، وتخدم التماسك الاجتماعي بدلاً من تفكيكه.
وهنا يُثار سؤال مشروع: كيف يكتب سيناريست عملاً درامياً عن منطقة لا يعرف واقعها؟ وكيف يصف سكان الرشيدية، المعروفين تاريخياً بالكرم وحسن الضيافة، بـ”البخل”؟ هل هو “جهل فادح” بخصائص الجهة، أم “تحيز خفي” يعكس نظرة دونية لمجتمعات الصحراء؟
في كلتا الحالتين، لا عذر لمهني إعلامي يسمح لنفسه بتشويه صورة مجتمع بأكمله دون بحث ميداني أو استشارة أهل الخبرة. الدراما النزيهة تُبنى على المعرفة والاحترام، لا على “النمطية الجاهزة” و”الضحكة الرخيصة”.
ما حدث ليس مجرد “خبر فني عابر”، بل هو اختبار لمصداقية الإعلام العمومي في احترام كرامة جميع المغاربة، بغض النظر عن انتماءاتهم الجهوية أو الثقافية. إذا قبلنا اليوم بأن تُهين “دراما هزلية” كرامة سكان الرشيدية، فمن يضمن ألا يكون الضحية غداً سكان الريف، أو الأطلس، أو أي جهة أخرى؟
المواطن المغربي لا يرفض “النقد البناء” ولا “الكوميديا الذكية”، لكنه يرفض أن تُستخدم الشاشة العمومية كأداة لتكريس الصور النمطية وإهانة الهويات. رمضان شهر التضامن.. وليس موسم “التضامن على كرامة البعض”.
لم يعد مقبولاً في المغرب اليوم أن تمرر أعمال درامية تسيء لكرامة المواطنين تحت غطاء “الحرية الفنية”. الحرية الفنية لا تعني “حرية الإساءة”، والدراما لا تُبنى على “تشويه الواقع”.
هاكا والقناة الأولى اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تتحركا بجرأة لسحب الحلقة والاعتذار لسكان الرشيدية، وإما أن تتحملا المسؤولية التاريخية عن كل جرح يُصاب به مواطن في كرامته تحت غطاء “الترفيه”.
رشيدية تستحق أكثر من “نكتة رخيصة”، والمغرب يستحق إعلاماً يوحّد ولا يفرّق، يكرّم ولا يُهين. فإما دراما مسؤولة تحترم كرامة جميع المغاربة، وإما استمرار في “اللعب بالنار” الذي يهدد الثقة بين المواطن والإعلام العمومي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد