خريبكة.. اختلالات تنموية متراكمة تضع تدبير العامل المدغري للشأن المحلي أمام اختبار المساءلة

هبة زووم – خريبكة
رغم ما يزخر به إقليم خريبكة من مؤهلات اقتصادية وثروات طبيعية جعلته لعقود أحد أهم الأقطاب الاقتصادية بالمملكة، فإن الواقع الميداني يكشف عن مفارقة صارخة بين حجم الإمكانيات المتوفرة ومستوى التنمية التي ينتظرها المواطنون.
فبدل أن تنعكس هذه المؤهلات على تحسين ظروف العيش، ما تزال قطاعات واسعة من الساكنة تواجه البطالة والهشاشة وضعف الخدمات الأساسية، في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام حول حصيلة التدبير الترابي بالإقليم.
وتتعالى أصوات عدد من الفاعلين المحليين والمهتمين بالشأن العام، معتبرة أن الإقليم يعيش على وقع اختلالات تنموية متراكمة، في ظل غياب رؤية اقتصادية قادرة على خلق فرص شغل حقيقية واستقطاب استثمارات منتجة تستوعب أفواج الشباب العاطل، وهو ما ساهم في اتساع رقعة البطالة وتفاقم الأوضاع الاجتماعية، خاصة لدى الفئات الهشة والمتوسطة التي أصبحت تجد صعوبة متزايدة في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة وضمان تعليم أبنائها.
ويرى متتبعون أن الاقتصار على المقاربة الرقابية في التعامل مع أنشطة الاقتصاد غير المهيكل، دون توفير بدائل اقتصادية واجتماعية حقيقية، لا يمكن أن يشكل حلاً مستداماً، بل يزيد من تعقيد أوضاع آلاف الأسر التي تعتمد على هذه الأنشطة كمصدر وحيد للعيش. ويؤكد هؤلاء أن التنمية لا تُقاس فقط بتطبيق القانون، وإنما أيضاً بقدرة المؤسسات على خلق فرص الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.
ولا تقف مظاهر الاختلال عند الجانب الاقتصادي، إذ تعاني مدينة خريبكة، بحسب شكاوى متكررة من السكان، من تراجع واضح في جودة المجال الحضري، مع انتشار الروائح الكريهة وتدهور مستوى النظافة في عدد من الأحياء، وهو ما يطرح تساؤلات حول نجاعة تدبير المرافق والخدمات الأساسية ومدى احترام دفاتر التحملات من قبل الجهات المعنية.
أما بالعالم القروي، فتزداد الصورة قتامة، حيث ما تزال جماعات ترابية عديدة تعاني من خصاص في التزود بالماء الصالح للشرب وضعف شبكات التطهير السائل، فضلاً عن استمرار مظاهر السكن الهش في بعض المناطق، في وقت يفترض فيه أن تكون العدالة المجالية إحدى أولويات السياسات العمومية.
وأمام هذا الواقع، تتجه الأنظار إلى السلطات الإقليمية، باعتبارها الجهة المكلفة بتنسيق وتتبع البرامج التنموية، وسط دعوات متزايدة إلى تقييم موضوعي لحصيلة التدبير، وتسريع وتيرة المشاريع المهيكلة، وتعزيز آليات المراقبة والمحاسبة، بما يضمن حسن تدبير الموارد العمومية وتحقيق تنمية حقيقية يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية.
إن خريبكة، بتاريخها الاقتصادي وموقعها الاستراتيجي، تمتلك كل المقومات لتكون نموذجاً في التنمية المحلية، غير أن ذلك يظل رهيناً بإرادة حقيقية في الإصلاح، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والانتقال من تدبير الأزمات إلى صناعة الحلول، حتى لا تبقى ثروات الإقليم بعيدة عن تحسين واقع ساكنته، وحتى تستعيد المدينة مكانتها كقاطرة للتنمية، لا كعنوان لتراكم الاختلالات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد