هبة زووم – قلعة السراغنة
لا يبدو أن مدينة العطاوية، التابعة لإقليم قلعة السراغنة، تعيش اليوم على إيقاع مستوى التنمية الذي يفترض أن تعكسه مؤهلاتها وموقعها وأدوارها الاقتصادية داخل الإقليم والجهة. فبينما تتوفر المدينة على مقومات تجعلها مؤهلة لتتحول إلى قطب حضري وتنموي واعد، يجد المواطن نفسه، بحسب شهادات استقتها «هبة زووم»، أمام مجموعة من الإشكالات اليومية التي لا تزال تنتظر حلولاً ملموسة.
المشكلة، وفق عدد من سكان المدينة، لا تكمن في غياب الوعود أو الخطابات المرتبطة بالتنمية، وإنما في المسافة التي تفصل هذه الوعود عن الواقع الميداني.
وخلال جولة ميدانية بعدد من أحياء العطاوية، عبر مواطنون عن استيائهم من استمرار مجموعة من المظاهر التي يعتبرونها مؤشراً على بطء معالجة ملفات أساسية تمس حياتهم اليومية، وفي مقدمتها وضعية الطرق والأزقة، والنظافة، وانتشار الكلاب الضالة، إلى جانب ما يصفه متابعون بتعثر عدد من الملفات ذات الأولوية.
واللافت أن هذه الإشكالات لا ترتبط بملفات تقنية معقدة فقط، وإنما يتعلق بعضها بخدمات أساسية يفترض أن تكون في صلب العمل الجماعي اليومي.
صراعات المجلس.. والتنمية تنتظر
ومن بين أكثر النقاط التي تثير استياء المتابعين للشأن المحلي، الحديث المتكرر عن وجود تجاذبات وخلافات داخل المجلس الجماعي.
وبعيداً عن تفاصيل هذه الخلافات وحيثياتها، فإن السؤال الذي يهم المواطن في النهاية بسيط وواضح: **هل تؤثر الصراعات السياسية والتجاذبات داخل المجلس على سرعة اتخاذ القرار وعلى فعالية تدبير الملفات اليومية؟**
فالساكنة لا تنتخب المجالس الجماعية من أجل مشاهدة صراعاتها الداخلية، وإنما تنتظر منها تدبيراً فعالاً للمدينة، وتتبعاً للأوراش، ودفاعاً عن مصالحها، ومراقبة للخدمات والمرافق.
وإذا كانت الخلافات السياسية جزءاً طبيعياً من العمل المؤسساتي، فإنها تصبح مشكلة حقيقية عندما تنتقل من قاعات النقاش إلى تعطيل مصالح المواطنين أو إبطاء معالجة ملفاتهم.
العطاوية لا تحتاج إلى مزيد من المناكفات، بقدر ما تحتاج إلى مجلس قادر على إنتاج القرارات ومتابعة تنفيذها وقياس نتائجها.
طرق وأزقة تستنفر الساكنة
في عدد من الأحياء، تظل وضعية الطرق والأزقة من أبرز الملفات التي تستأثر باهتمام السكان، فاهتراء أجزاء من البنية الطرقية لا ينعكس فقط على راحة المواطنين، وإنما يؤثر أيضاً على حركة السير، ويرفع من صعوبة التنقل، ويطرح أسئلة حول برامج الصيانة وإعادة التأهيل ومدى انتظامها.
والسؤال هنا لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا توجد طرق متدهورة؟ بل أيضاً: ما هي الأولويات التي يعتمدها المجلس في برمجة مشاريع التأهيل؟ وكيف يتم تحديد الأحياء المستفيدة؟ وما هي آجال إنجاز الأشغال؟ ومن يتتبع جودة تنفيذها؟
فهذه الأسئلة تدخل في صميم الحكامة المحلية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشاريع تمول من المال العام.
الكلاب الضالة والنفايات.. وجه آخر للأزمة
ولا تتوقف شكايات المواطنين عند البنية الطرقية، إذ يشكل انتشار الكلاب الضالة في عدد من المناطق مصدر قلق، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال والتلاميذ والأسر التي تجد نفسها مضطرة إلى التعامل يومياً مع هذه الظاهرة.
كما أن تراكم النفايات في بعض النقاط يضيف بعداً بيئياً وصحياً إلى المشهد، ويؤثر على صورة المدينة وعلى جودة الفضاءات العمومية.
وهنا أيضاً، لا يكفي انتظار تفاقم الوضع ثم التدخل بشكل ظرفي. فالتدبير الحضري الحديث يقوم على الاستباق، وعلى وجود برامج مستمرة للنظافة ومعالجة النفايات والتعامل مع ظاهرة الكلاب الضالة وفق المقاربات القانونية والصحية المعتمدة.
فالمدينة لا تقاس فقط بالمشاريع الكبرى التي تعلن عنها، وإنما أيضاً بنظافة شوارعها، وجودة أرصفتها، وسلامة أحيائها، وقدرة سكانها على استعمال الفضاء العام في ظروف تحفظ كرامتهم.
أين الحضور الميداني للمسؤولين؟
من بين المطالب التي عبر عنها عدد من المواطنين ضرورة تعزيز الحضور الميداني للمسؤولين والمنتخبين.
والمطلوب هنا ليس مجرد القيام بجولات بروتوكولية، وإنما النزول إلى الأحياء، والاستماع إلى السكان، وتحديد المشاكل، وربطها ببرامج زمنية واضحة للحل.
فالتواصل الحقيقي مع المواطن لا يكون فقط خلال الحملات الانتخابية أو عند افتتاح المشاريع، وإنما يفترض أن يكون ممارسة يومية.
كما أن المواطن من حقه أن يعرف أين وصلت المشاريع المبرمجة، وما هي أسباب تأخرها إن وجدت، ومن يتحمل مسؤولية الاختلالات، وما هي الآجال المحددة لمعالجة المشاكل القائمة.
العطاوية.. مؤهلات أكبر من واقعها
المفارقة أن العطاوية تتوفر على إمكانات ومؤهلات تجعلها قادرة على لعب دور أكبر داخل إقليم قلعة السراغنة، وهو ما يجعل استمرار بعض المشاكل اليومية أكثر إثارة للتساؤل.
فالرهان على تحويل المدينة إلى قطب حضري واعد لا يمكن أن يتحقق بالشعارات وحدها، ولا بإعلان مشاريع جديدة قبل ضمان جودة ما هو قائم.
التنمية تبدأ من الأساس: طرق صالحة، نظافة منتظمة، فضاءات عمومية لائقة، خدمات قريبة، تدبير شفاف، ومجلس جماعي قادر على العمل بعيداً عن منطق الصراع الدائم.
والمدينة التي تريد جذب الاستثمار تحتاج قبل كل شيء إلى بيئة حضرية مستقرة ومنظمة، لأن المستثمر لا يبحث فقط عن العقار والمشاريع، بل ينظر أيضاً إلى جودة البنية التحتية والخدمات والحوكمة المحلية.
المطلوب.. الانتقال من رد الفعل إلى الفعل
ما تحتاجه العطاوية اليوم هو الانتقال من منطق التدخل الظرفي وردود الأفعال إلى رؤية تنموية واضحة ومعلنة، تتضمن الأولويات والآجال ومصادر التمويل وآليات التتبع والتقييم.
كما أن المجلس الجماعي مطالب بتقديم حصيلة واضحة أمام الساكنة: ماذا تحقق؟ ماذا تعثر؟ لماذا تعثر؟ وما هي المشاريع التي توجد قيد الإنجاز؟ وما هي تلك التي لم تر النور؟
فالشفافية لا تضعف المنتخب، بل تقوي شرعيته، أما استمرار المشاكل دون تواصل واضح، فإنه يوسع المسافة بين المواطن والمؤسسة المنتخبة ويغذي الإحساس بأن المدينة لا تحصل على ما تستحقه من الاهتمام.
وفي النهاية، فإن العطاوية ليست مجرد جماعة ترابية تبحث عن تدبير يومي عادي، وإنما مدينة صاعدة تحتاج إلى مشروع واضح للمستقبل.
والتحدي أمام المجلس الجماعي والسلطات المحلية ليس فقط في إطلاق مشاريع جديدة، بل في إعادة ترتيب الأولويات، تحسين الخدمات الأساسية، تأهيل الأحياء، والارتقاء بجودة عيش المواطنين.
فالتنمية الحقيقية لا تقاس بعدد الوعود ولا بعدد المشاريع المعلن عنها، وإنما بما يراه المواطن في الشارع، وما يلمسه في حيه، وما يتغير فعلياً في حياته اليومية.
وهنا تحديداً سيكون الامتحان الحقيقي للعطاوية: هل تنجح في تحويل مؤهلاتها إلى تنمية ملموسة، أم تظل عالقة بين الإمكانات الكبيرة وواقع التدبير البطيء؟
تعليقات الزوار