هبة زووم – العيون
لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية بدائرة العيون مجرد إعادة ترتيب للأسماء داخل المقاعد الثلاثة، بل حملت معها مفاجأة انتخابية أعادت فتح النقاش حول طبيعة التنافس السياسي بالمدينة، بعدما تمكن حسن الدرهم، مرشح حزب التقدم والاشتراكية، من انتزاع المرتبة الثانية بـ19 ألفاً و526 صوتاً، متقدماً على محمد سالم الجماني، مرشح حزب الأصالة والمعاصرة، الذي توقف رصيده عند 19 ألفاً و102 صوت.
وفي المقابل، حافظ مولاي حمدي ولد الرشيد، مرشح حزب الاستقلال، على الصدارة بفارق كبير، بعدما حصد 51 ألفاً و815 صوتاً، مقابل 19 ألفاً و526 للدرهم و19 ألفاً و102 للجماني، وفق النتائج النهائية المعلنة للدائرة، لكن المفاجأة الحقيقية ليست في الرقم وحده، وإنما في المسار الذي قطعه حسن الدرهم داخل دائرة العيون.
ففي انتخابات 2016، كان الدرهم، حينها مرشحاً عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، قد حل رابعاً بـ6 آلاف و239 صوتاً، بينما احتل محمد سالم الجماني المرتبة الثانية بـ21 ألفاً و572 صوتاً، وفق المعطيات الواردة في النص.
وبعد عشر سنوات تقريباً، تنقلب الصورة: الدرهم ينتقل من المركز الرابع إلى الثاني، والجماني يتراجع إلى الثالث، والفارق بينهما لا يتجاوز 424 صوتاً.
هذه النتيجة لا تعني بالضرورة أن الخريطة السياسية بالعيون انقلبت رأساً على عقب، ولا تسمح وحدها بالقول إن هناك تحولاً شاملاً في موازين القوى. لكنها، في المقابل، تقدم رقماً انتخابياً يصعب تجاهله، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمرشح استطاع العودة إلى دائرة المنافسة بقوة بعد غياب عن السباق البرلماني المحلي سنة 2021.
ففي انتخابات 2021، لم يخض حسن الدرهم المنافسة البرلمانية عن دائرة العيون، وإنما ترشح في إقليم بوجدور، قبل أن يفوز بعضوية مجلس جهة العيون الساقية الحمراء. ولذلك فإن المقارنة الانتخابية المباشرة داخل العيون تبقى بين موقعه في 2016 ونتيجته الحالية، لا بين 2021 و2026، وهنا تحديداً تكمن أهمية الرقم الجديد.
إنه ارتفاع انتخابي كبير في عدد الأصوات، لكنه يحتاج إلى قراءة أكثر عمقاً من مجرد الاحتفال بالوصافة. فما الذي تغير خلال هذه السنوات؟ هل يتعلق الأمر بشخصية المرشح؟ أم بانتقاله إلى التقدم والاشتراكية؟ أم بطبيعة الحملة الانتخابية؟ أم بتحولات في اختيارات الناخبين؟ أم بكل هذه العوامل مجتمعة؟
أسئلة مفتوحة لا يمكن حسمها بالأرقام المجردة، لكنها تجعل صعود الدرهم واحداً من أبرز معطيات انتخابات العيون.
في المقابل، فإن تراجع الجماني من المرتبة الثانية في 2016 إلى الثالثة في 2026 لا يعني بالضرورة فقدانه لموقعه السياسي، خصوصاً أنه حافظ على مقعده البرلماني، غير أن الفارق الضئيل بينه وبين الدرهم يفرض قراءة دقيقة لما جرى.
فالحديث هنا ليس عن فارق آلاف الأصوات، وإنما عن 424 صوتاً فقط، وهو فارق يجعل المقعدين الثاني والثالث أقرب إلى منافسة مفتوحة من كونهما موقعين محسومين بفارق مريح.
أما حزب الاستقلال، فقد حافظ على صدارة واضحة بعدما حصل على 51 ألفاً و815 صوتاً، أي ما يقارب نصف الأصوات المعبر عنها في الدائرة، في حين توزعت بقية المنافسة الأساسية بين التقدم والاشتراكية والأصالة والمعاصرة.
وبذلك، أفرزت العيون تركيبة برلمانية من ثلاثة أسماء: مولاي حمدي ولد الرشيد عن حزب الاستقلال، حسن الدرهم عن حزب التقدم والاشتراكية، ومحمد سالم الجماني عن حزب الأصالة والمعاصرة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن لا يتعلق بمن حصل على المقعد فقط، وإنما بما بعد المقعد، هل يستطيع حسن الدرهم تحويل وصافة 2026 إلى حضور سياسي مستمر، أم أن الأمر سيبقى نتيجة مرتبطة بخصوصية هذا الاستحقاق؟
فالفوز الانتخابي شيء، وبناء موقع سياسي مستدام شيء آخر، والاختبار الحقيقي سيبدأ بعد إسدال الستار على الانتخابات: الحضور البرلماني، التواصل مع الساكنة، المواقف من القضايا المحلية والوطنية، القدرة على إنتاج خطاب سياسي مقنع، ثم مدى قدرة حزب التقدم والاشتراكية على الحفاظ على هذا الرصيد داخل العيون.
وبالمقابل، سيجد الجماني نفسه أمام معادلة جديدة بعدما احتفظ بالمقعد الثالث بفارق ضئيل عن منافسه، فيما سيحاول حزب الأصالة والمعاصرة قراءة أسباب هذا التراجع النسبي والعمل على استعادة موقعه في أي استحقاق مقبل.
أما ولد الرشيد، فقد أكد الاقتراع احتفاظه بموقع الصدارة بفارق كبير عن أقرب منافسيه، وهو ما يجعل الحديث عن “إرباك حساباته” يحتاج إلى الكثير من التحفظ: فالدرهم أربك ترتيب الوصافة، لكنه لم يزحزح الصدارة الاستقلالية.
وهذه ربما هي القراءة الأكثر دقة للمشهد.
فالعيون لم تعرف انقلاباً انتخابياً شاملاً، لكنها شهدت **تغييراً لافتاً في معركة المركز الثاني**. وبينما بقيت الصدارة محسومة بفارق واضح، أظهرت النتائج أن المرتبتين الثانية والثالثة أصبحتا مجالاً لتنافس شديد التقارب.
وهنا تكمن أهمية صعود حسن الدرهم.
فالانتخابات انتهت، والمقاعد حُسمت، لكن الحسابات السياسية لا تنتهي مع إعلان النتائج. ما سيحدد قيمة هذا الصعود خلال المرحلة المقبلة هو ما إذا كان حسن الدرهم سيحول 19 ألفاً و526 صوتاً إلى حضور سياسي دائم، أم أن الرقم سيبقى مجرد محطة انتخابية لافتة في سجل دائرة العيون.
**العيون إذن لا تستعد لمعركة انتخابية جديدة غداً، لكنها دخلت، بعد نتائج 23 شتنبر، مرحلة جديدة من إعادة قراءة موازين التنافس السياسي.**
والاختبار المقبل لن يكون في صناديق الاقتراع فقط، بل في قدرة كل طرف على تحويل الثقة الانتخابية إلى أداء سياسي ومؤسساتي يبررها.