مفهوم الدولة العميقة بين الحقيقة الأكاديمية والتوظيف السياسوي

يعاني التدافع السياسي في اللحظة التي أعقبت مايسمى إعلاميا ” بالربيع العربي ” من العديد من المناكفات ، نتجت عنها تخمة من المفاهيم ، جعلت الأكاديمي الصارم في صعوبة منهجية بين أليات علمية واضحة وجلية ، ونخبة تحاول استغلال مايسمى بحالة التية التي تعيشها الجماهير ، بعدما قزمت كل المفاهيم في شكل سندويشات تكتيكية شعبوية ذات خلفية سياسية غير بريئة .

وبالتالي يحتاج الإنسان العربي إلى الكثير من الواقعية ، ووضع الأرجل على الأرض ، بدل الإنبطاح لسطوة المفهوم على عاطفة المريد المهيأ لإستقبال الضرب على الطاولات ، والحماسة على حساب الرصانة العلمية .

وعلى سبيل المثال لاالحصر مفهوم الدولة العميقة ، الذي ظنه البعض طارئا على أدبيات الصالونات الفكرية والتطاحن السياسي ، رغم أنه مفهوم مخضرم يمتد منذ نشأة الإمبراطورية ، مرورا بصعود رجب طيب أردوغان على الحكم في تركيا ، وبلغت ذروته مع صعود الإخوان في مصر للحكم .

في الواقع التدقيق في المفهوم يحتاج لتحضير رسالة دكتوراه حتى لايتم ترك أي فراغ ، وتجنيب النص الأكاديمي متاهة تأويلات المتربصين بعشاق السرمدي على حساب الأكل الخفيفة والنصب باسم الإعلام .

وإذا تطرقنا للحالة المغربية نجد أن الأمر اكتسى غموضا كبيرا عكس التعاطي الواضح مع المفهوم تاريخيا ،  نظرا لحساسية بنية الحكم في المغرب ، وقد أشرنا في مقال سابق نشر على الموقع ” الهمة ليس صديقا للملك ” على أن استخدام الوسائط في الحوار بين الأطراف السياسية المغربية لادليل قوي على أن المغرب لم يدخل بعد نادي الدول الديموقراطية ولو الفتية منها ، فلازال يعيش انتقالا دموقراطيا بعد الاخر حتى نافست هاته الإنتقالات حركة المركاتو الكروي المغربي ؟؟؟

حزب العدالة والتنمية الحاكم رفع من سقف برنامجه الإنتخابي لدرجة الدهشة ، لكنه اصطدم بوعورة تصريف تصوراته الطوباوية ، وانقض بسرعة على الوسائط بداية بحديقة الحيوانات ” التماسيح والعفاريت ” وصولا إلى التماهي مع الحالة المصرية عبر استخدام مفهوم الدولة العميقة للتراشق مع الخصوم ، والواقع أن هذا الحزب ظل يتسم بنوع من الجبن السياسي البين عكس أردوغان ومرسي ، فهاهو بنكيران يرفض تسمية من يعني بالتماسيح والعفاريت ، كما رفض قياديو الحزب تنويرنا بأسباب إسقاط المفهوم على تجربتهم المغربية ، والسبب  واضح عند زمرة الأكادميين الذين لايلتفتون للوراء في تفكيك المتشابهات بدون غاية ولامصلحة متعلقة بمأرب السياسيين .

فالدولة العميقة في المغرب ليس سوى الملكية ، فأما التماسيح والعفاريت فهم خدام البلاط وباسطي قناعاته وفلسفته في الحكم حسب تلميح العدالة والتنمية ، رغم الإسهال الكبير في ذكر الملكية وتبجيلها في شخص رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران .

وحتى نتوسع بعض الشيء في المفهوم ، مع وفائنا لأليتين فلسفيتين تساعدان على تدليل الصعاب :

ـ التصنيف الفلسفي

ـ تداعي النظائر

فأما الية التصنيف الفلسفي فستكون ناطقة بالمثل الياباني القائل ” إذا أردت أن تعرف مايجري في إيطاليا عليك أن تعرف مايجري في البرازيل ” اعتمادا على مراجع ، فمحاولة فهم صعوبة إسقاط الحالتين التركية والمصرية على التجربة المغربية فليس هناك من سلاح سوى العمل بألية تداعي النظائر لفعاليتها الفكرية عند أكبر الفلاسفة وفي مقدمتهم الراحل محمد عابد الجابري .

يدعى أنها مجموعة من التحالفات النافذة والمناهضة للديمقراطية داخل النظام السياسي  ، وتتكون من عناصر رفيعة المستوى داخل أجهزة المخابرات (المحلية والأجنبية)، والقوات المسلحة التركية والأمن والقضاء والمافيا.
 الدولة العميقة مشابهة لفكرة ـ دولة داخل دولة ـ  ولهؤلاء المعتقدين بوجودها، فالأجندة السياسية للدولة العميقة تتضمن الولاء للقومية والنقابوية، ومصالح الدولة.
العنف ووسائل الضغط الأخرى قد تم توظيفهم تاريخيًا بطريقة خفية في الأغلب للتأثير على النخب السياسية والاقتصادية لضمان تحقق مصالح معينة ضمن الاطار الديمقراطي ظاهريًا لخريطة القوى السياسية.
 الحاكم

أيديولوجية الدولة العميقة يراها اليساريون مناهضة للعامل أو وطنية متطرفة؛ ويراها الإسلاميون مناهضة للإسلام وعلمانية؛ ويراها الأكراد مناهضة للأكراد .
.
.

ولهذا فإن تنوع الأراء والإتجاهات يعكس عدم اتفاق على مفهوم الدولة العميقة ، أحد الإتجاهات تذهب في اتجاه على أن الدولة العميقة ليست تحالفا ،  بل هي مجموع عدة مجموعات تعمل ضد بعضها البعض خلف الكواليس ، كل منها تسعى لتنفيذ الأجندة الخاصة بها

أما الباحث الأكاديمي الخارجي ، فإن الاعتقاد التركي بالدولة العميقة هو ظاهرة اجتماعية جذيرة بالإهتمام ، فهي عبارة عن تجمع من الحقائق في ثوب مؤامرة ، فالعديد من الساسة على مر العصور أكدوا بأن الدولة العميقة واقع لايرتفع .

أما رئيس الوزراء التركي الحالي الطيب رجب أردوغان فقد كان واضحا كعادته حيث قال “أنا لا أتفق مع من يقول أن الدولة العميقة غير موجودة.
فإنها موجودة.
لقد كانت موجودة دومًا – ولم تبدأ مع الجمهورية؛ فإنها تعود إلى الأزمنة العثمانية.
إنها ببساطة تقليد.
إنه من الواجب تقليلها، ولو أمكن مسحها من الوجود .
.
.

ومن خلال ماسبق ذكره يتضح أن الدولة العميقة مفهوما صداميا قبل كل شيء ، يتشبت به البعض ، وترفضه فئتي العسكر والبلاط ، وفي الأخير يبقى مفهوما مفتوحا يفتش الشهية للتنقيب على فراغات ، والبحث بدقة عن طرح المفهوم على خبراء استراتجيين .
.
.
.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد