“جوج فرانك”.. أتامرون النّاس بالبرّ وتنسون أنفسكم؟
ذ. أحمد اضصالح
“شرفات أفيلال” من الوجوه الحزبية النسائية التي استمعت لها عن قرب، وفي الحقيقة أعجبت بفكرها ورؤيتها السياسية الثاقبة، ليس لأنها تنحدر من حزب “علي يعته” فقط، ولكن، لكونها تفكّر بطريقة مخالفة للكثيرات.
أطرقت سمعي لكلماتها بإمعان وهي تتحدّث عن المرأة، وكيفية ضمان حقّها في كافة مناحي الحياة، وآليات إشراكها في تدبير الشأن العام، لكنّي لم يدر في خلدي يوما أن أعود لأرشيف فيديوهات مقابلة إعلاميّة لأجد ذات المرأة تمحو إرثها السّياسي بكلمتين قاسيتين على قلوب المغاربة أجمع، “جوج فرانك” للتّعبير عن احتقار “تقاعد” البرلمانيين، دون ديبلوماسية معهودة في الساسة، ودون مرونة مألوفة في المهندس بحكم مهنتها، ودون انسيابية كالماء الذي تشرف عليه في وزارتها.
انساقت صاحبتنا مع استفزازات ال’تيجيني”، وفشلت في أقسى اختبار يمكن أن يقع فيه أيّ سياسي عند مخاطبة الرأي العام، وأخرجت ما في “اللاوعي” الذي لا يقبل الفكاك، كأنّها تتحدّث مع قريناتها، بأسلوب تلقائي ، متناسية أنّها في مواجهة شريحة مهمّة من الطبقات العمّالية المسحوقة التي تدور عليها رحى “الإصلاحات” و”الزيادات” و “الترقيعات”.
نسيت ذلك فجأة، ولم تستيقظ إلاّ عندما أخرجت صكّ اتّهامها، وجعلت من موضوع تقاعد البرلمانيّين كرة ثلج يصعب احتواؤها.
ألومها كثيرا لأنها لم تسأل أحد العارفين بخبايا “الطوبونيميا” في معنى “أفيلال” بالأمازيغية لاستمداد خصائصه كحبل نجاة في مثل هذه اللحظات، ولم تستوعب رسالة “غوستاف لوبون” للسّاسة في “سيكولوجية الجماهير”، ولم تسبر غمار دراسات اللساني الأمريكي “نعوم تشومسكي” في الإلهاء.
.
، قبل أن تلج “بلاطو” القناة التلفزيونية.
لذلك استيقظت في غدها، وهي أمام طوفان غضب عارم، لم تدرك معه حجم الخطأ إلاّ متأخّرة، باستثارتها للحقد الطبقي الدفين، وتقديم وجه قاسي للمفارقة العجيبة التي من خلالها يحتقر الغنيّ آلاف الدّراهم، فيما يتسلق الفقير حبوا حائطا عاليا لأجلها، وقد لا يصل إليها في حياته قطّ.
لم تدرك ذلك، ممّا أجّج هذه الفكرة في الأوساط المجتمعيّة، وصل صداها لمنابر إعلاميّة كبرى، ودفعت الكثيرين إلى المطالبة بإعادة النّظر في موضوع كبير، لو تمّ إصلاحه لقبل النّاس بألم أيّ “إصلاح” موعود أسوة بممثّليهم.
ورغم ذلك، يحسب لها أنّها قدّمت -وإن من غير قصد- جزءا من حل اقتصادي مثالي يستطيع إخراج المجتمع ممّا يعانيه من أزمات قد لا يكون من الصائب حلّها في ظهر العجاف، وتترك ظهور المعلوفة تسمن يوما بعد يوم، حتّى إذا انقضت أيامها تركت جزءا كبيرا من هذه السّمنة لأبنائها.
من الصّعب جدّا أن يقبل ممثّلونا بهذا الحلّ الأمثل، ويقفوا مع أنفسهم وقفة صدق، لأنّ مذاق الحقّ مرّ دوما، لذلك لمّا استعرض السيد رئيس الحكومة رؤيته لإصلاح التقاعد أمام نوّاب الأمة اليوم (الثلاثاء 22 دجنبر 2015)، وهو يسترسل في وعيده بنتائج قاسية بشأن الصّندوق ولسان حاله يقول بمزيد من “تزيار السمطة”، تجاهل موضوع “تقاعد” البرلمانيّين باعتباره جزءا من الحلّ، لكنّ ملامحه تخونه بعد أن اطّلع على “الفايسبوك” قبيل الفجر، ووصلته أصداء النّقاش الذي يصرّ على أن لا طريق أمام هؤلاء إلاّ أن يضحّوا قبل أن يطلبوا منّا ذلك.