هبة زووم – مكناس
في سابقة نوعية على مستوى الجماعات الترابية بالمملكة، أقدمت جماعة مكناس خلال دورتها الاستثنائية لشهر يونيو 2025، على إدراج الترجمة الفورية بلغة الإشارة داخل قاعة الاجتماعات، لفائدة الأشخاص الصم والبكم، في خطوة لقيت إشادة واسعة ووصفت بأنها تحوّل فعلي في مقاربة الدمج المؤسساتي.
هذه الخطوة، التي تُعد الأولى من نوعها في تاريخ المجالس المنتخبة بالمغرب، أتاحت لأعضاء جمعيات الصم متابعة النقاشات والمداولات بشكل مباشر، أسوة بباقي المواطنين، بعيدًا عن رمزية الحضور الصامت أو التمثيل الشكلي.
أهمية هذه المبادرة لا تكمن فقط في بعدها التقني، بل تتجلى في مضامينها الحقوقية والرمزية. إذ إنها تعبّر عن إرادة سياسية حقيقية في الانتقال من منطق “الرعاية” إلى منطق “التمكين”، وترسيخ مبدأ الإنصاف والمساواة في الولوج إلى المعلومة والمشاركة السياسية.
وبحسب عدد من الفاعلين الحقوقيين، فإن إشراك فئة ذوي الإعاقة السمعية في دورات المجلس البلدي بهذا الشكل المباشر، يمثل قفزة نوعية في أجرأة مقتضيات الدستور المغربي، لا سيما الفصل 34 الذي ينص على تيسير مشاركة الأشخاص في وضعية إعاقة في الحياة العامة.
رئيس جماعة مكناس، العباس الومغاري، أوضح في تصريح إعلامي أن “هذه المبادرة ليست التفاتة رمزية، بل تعبير عن قناعة ديمقراطية راسخة لدى المكتب المسير، بجعل المجلس فضاءً جامعًا ومنفتحًا على جميع مكونات المجتمع، دون أي تمييز”.
وأضاف المسؤول الجماعي أن الجماعة تعمل على تطوير آليات التواصل التشاركي مع كافة الفئات، انسجامًا مع التوجيهات الوطنية المتعلقة بالدمج الاجتماعي والحكامة الديمقراطية.
خطوة مكناس تأتي في سياق تصاعد الدعوات على المستوى الوطني لإدماج لغة الإشارة في المؤسسات العمومية، وعلى رأسها المجالس المنتخبة، تطبيقًا للاتفاقيات الدولية ذات الصلة، التي صادق عليها المغرب، ومنها الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة.
ولم يكن حضور أعضاء من جمعيات الصم خلال دورة يونيو مجرد تفصيل بروتوكولي، بل شكل لحظة إنسانية وسياسية فارقة، رسخت قناعة متزايدة بأن الديمقراطية المحلية لا تُقاس فقط بالأرقام والبرامج، بل بقدرتها على إشراك الأصوات التي ظلت مُقصاة لعقود.
ورغم الإشادة الواسعة، فإن التحدي الأكبر، بحسب متابعين، يكمن في استمرارية هذه المبادرة وتطويرها، من خلال بث الجلسات مترجمة بلغة الإشارة عبر المنصات الرقمية، وتكوين مترجمين دائمين لأنشطة الجماعة، بما يُحول مكناس إلى مرجعية وطنية في مجال الدمج المؤسسي والتمثيلية الحقيقية.
في زمن يُنتقد فيه أداء المجالس المنتخبة بسبب غياب التواصل الفعّال مع المواطنين، يبدو أن جماعة مكناس وضعت إصبعها على مكمن الخلل، واختارت أن تُصغي بوعي وتُخاطب الجميع، حتى أولئك الذين سُلب منهم النطق… لكن لم تُسلب منهم المواطنة.
تعليقات الزوار