تأجيل فائض الميزانية بسيدي يحيى زعير يكشف هشاشة الأغلبية ويدخل الجماعة النفق المسدود

هبة زووم – الرباط
أعاد تأجيل مناقشة نقطة برمجة فائض السنة المالية 2025 خلال دورة فبراير 2026 لمجلس جماعة سيدي يحيى زعير طرح أسئلة جوهرية حول طريقة تدبير المال العام، وحدود المسؤولية السياسية للأغلبية والمعارضة على حد سواء، في جماعة تعرف تحولات ديموغرافية متسارعة وتحديات اجتماعية متنامية، خصوصًا بمدينة تامسنا.
خلافًا لما قد يُفهم من التأجيل على أنه إجراء تقني أو مرتبط بإكراهات إدارية، تؤكد معطيات متطابقة من مصادر محلية أن السبب الحقيقي يعود إلى خلافات داخلية حادة بين مكونات المجلس، وغياب توافق سياسي مسبق حول كيفية برمجة فائض الميزانية، ما جعل مناقشة النقطة مستحيلة داخل الجلسة الرسمية، ودفع رئاسة المجلس إلى اتخاذ قرار ترحيلها إلى موعد لاحق، في محاولة لاحتواء الانقسام وتمرير الميزانية المعدّلة.
هذا المعطى يكشف أن الإشكال لا يرتبط فقط بتأجيل نقطة تقنية، بل يعكس أزمة أعمق في منسوب التنسيق والتوافق داخل مؤسسة منتخبة يُفترض أن تشتغل بمنطق استباقي، لا بردود فعل ظرفية.
فبرمجة فائض الميزانية ليست تفصيلاً هامشيًا، بل قرار استراتيجي يحدد وجهة الاستثمار العمومي، ويعكس بوضوح طبيعة الرؤية السياسية للمجلس: هل هي رؤية اجتماعية تستحضر الحاجيات الحقيقية للساكنة، أم مجرد توزيع للأرقام وفق موازين القوة داخل المجلس؟
وفي هذا السياق، أثارت المقترحات التي تقدمت بها المستشارة الجماعية فتيحة بوهوش نقاشًا واسعًا داخل أوساط الساكنة، باعتبارها دعت إلى اعتماد معايير واضحة في برمجة الفائض، تقوم على تشخيص الحاجيات الفعلية، وإعطاء الأولوية للشق الاجتماعي، انسجامًا مع التوجيهات الملكية السامية التي تؤكد أن التنمية لا تُقاس فقط بالبنيات التحتية، بل بمدى انعكاسها المباشر على تحسين شروط عيش المواطنين.
غير أن تعثّر إدراج هذه النقطة في جدول الأعمال، وظهور مراسلة رسمية تطالب ببرمجة فائض 2025 وفق القوانين الجاري بها العمل، يكشفان أن الخلاف لم يكن تقنيًا بقدر ما هو سياسي وتدبيري، وأن غياب الاتفاق داخل المجلس حوّل فائض الميزانية إلى ورقة تجاذب بدل أن يكون أداة تنمية.
الأخطر في هذا المشهد ليس الاختلاف في حد ذاته، فالتعدد والاختلاف جزء من العمل الديمقراطي، بل تحوّل هذا الاختلاف إلى عامل شلل يؤجل اتخاذ القرار، ويُبقي قضايا حيوية معلّقة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية، ويكبر فيه الطلب على الاستثمار في الرأسمال البشري، من تعليم وصحة وتجهيزات اجتماعية، بدل الاكتفاء بمعالجة النتائج لاحقًا عبر التفكير في مراكز علاج الإدمان أو مؤسسات الأمراض النفسية.
الساكنة اليوم لا تنتظر بلاغات تبريرية ولا تأجيلات متكررة، بل تنتظر وضوحًا في الرؤية وجرأة في الاختيار. ففائض الميزانية ليس ملكًا للأغلبية ولا للمعارضة، ولا مجالًا للمزايدات أو تصفية الحسابات، بل هو مال عمومي يجب أن يُدبّر بمنطق المسؤولية والاستشراف، لا بمنطق الانتظار والترحيل.
ومع اقتراب موعد الجلسة المؤجَّلة، يبقى الرهان الحقيقي هو ما إذا كان المجلس سينجح في تجاوز خلافاته الداخلية، والارتقاء إلى مستوى انتظارات الساكنة، أم أن فائض 2025 سيتحوّل إلى عنوان إضافي لأزمة تدبير محلي تُدار بمنطق التوازنات الهشة بدل منطق المصلحة العامة، فالتاريخ لا يحاسب على النوايا، بل على القرارات المؤجلة وعلى الفرص الضائعة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد