هبة زووم – طنجة
أثار تمرير نقطة تخصيص ما يقارب 700 مليون سنتيم من ميزانية جماعة طنجة لفائدة جمعية يترأسها عمدة المدينة نفسه، خلال دورة المجلس الأخيرة، عاصفة من الجدل المشروع، ليس فقط داخل الأوساط السياسية، بل في الشارع الطنجاوي الذي يرزح تحت ثقل اختلالات يومية تمسّ جوهر العيش الكريم.
فالمدينة، التي تعاني من بنية تحتية متآكلة، ونقل حضري مأزوم، واختناق مروري مزمن، ومشاكل بيئية متفاقمة، تُفاجأ اليوم بقرار مالي ضخم يُمرَّر بسلاسة لفائدة جمعية مرتبطة مباشرة برئيس المجلس، في وقت يُقابل فيه أي مطلب اجتماعي أو تنموي بعبارة جاهزة: “لا توجد اعتمادات كافية”.
هذا القرار لا يمكن عزله عن سؤال الأولويات، ولا عن منطق تدبير المال العام، فهل يعقل أن تُعتبر جمعية يرأسها العمدة أَوْلى بالدعم من أحياء مهمّشة، أو من إصلاح طرق متهالكة، أو من دعم نقل عمومي يئنّ، أو من مبادرات اجتماعية حقيقية تعالج الهشاشة؟
الأخطر في الأمر ليس فقط حجم المبلغ، بل طبيعة الجهة المستفيدة، فحين يصبح المنتخب رئيساً لجماعة ورئيساً لجمعية تتلقى دعماً من نفس الجماعة، فإننا نكون أمام وضعية رمادية تقترب من تضارب المصالح، أو على الأقل تفرض أعلى درجات الشفافية والتبرير، لا تمرير النقطة كأنها إجراء إداري عادي.
هنا، تتجه الأنظار إلى والي جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، باعتباره سلطة وصاية مكلفة بالسهر على احترام القانون وحماية المال العام. فهل سيؤشّر الوالي على هذا القرار؟ أم سيفعّل صلاحياته في طلب توضيحات رسمية حول حيثيات تمرير هذه النقطة؟ وهل ستُخضع هذه الاتفاقية لمسطرة افتحاص دقيقة كما يقتضي منطق الحكامة؟
الملف يفتح أيضاً نقاشاً أوسع حول سياسة دعم الجمعيات بمدينة طنجة، فعدد من الجمعيات المحلية، خصوصاً في المجالات الثقافية والبيئية والاجتماعية، اشتكت مراراً من الإقصاء أو من الحصول على دعم هزيل مشروط بإجراءات معقّدة، في مقابل سخاء غير مفهوم حين يتعلق الأمر بجمعيات بعينها.
هذا التناقض الصارخ يُغذّي شعوراً متنامياً لدى الساكنة بأن المال العام لا يُدار دائماً وفق منطق الحاجة والنجاعة، بل أحياناً وفق منطق القرب والتموقع، وهو شعور خطير، لأنه يضرب الثقة في المؤسسات المنتخبة، ويحوّل المجالس من فضاءات تدبير عمومي إلى ساحات شكّ دائم.
في انتظار موقف واضح من السلطة الوصية، يبقى هذا القرار نقطة سوداء في مسار تدبير الشأن المحلي بطنجة، واختباراً حقيقياً لشعار ربط المسؤولية بالمحاسبة، فالطنجاويون اليوم لا يطالبون بالمستحيل، بل فقط بجواب واضح: من يستحق دعم الجماعة؟ وبأي معايير؟ وتحت أي رقابة؟
تعليقات الزوار