هبة زووم – أبو العلا العطاوي
لم تكن المسيرة الاحتجاجية التي خاضها سكان عدد من دواوير جماعة تفني بإقليم أزيلال، يوم أمس الأربعاء، مجرد خطوة مطلبية عابرة، بل جاءت لتكشف حجم الاحتقان الاجتماعي المتراكم داخل منطقة ما تزال تنتظر نصيبها من التنمية وفك العزلة، رغم الوعود المتكررة والبرامج المعلنة على امتداد السنوات الماضية.
فخروج عشرات المواطنين في مسيرة راجلة باتجاه مقر عمالة إقليم أزيلال يعكس، بحسب متابعين للشأن المحلي، وصول حالة التذمر إلى مستويات متقدمة، بعدما اصطدمت مطالب الساكنة المرتبطة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية بجدار من الانتظار الطويل دون نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وقد اضطرت السلطات العمومية إلى توقيف المسيرة قبل وصولها إلى مقر العمالة، حيث تم توجيه الإنذارات القانونية للمحتجين، قبل الاتفاق على انتداب 13 ممثلاً عن الساكنة للتوجه إلى مقر العمالة وعرض الملف المطلبي للسكان والاستماع إلى انشغالاتهم.
غير أن جوهر القضية لا يرتبط بالمسيرة في حد ذاتها، بل بالأسباب التي دفعت الساكنة إلى اللجوء إلى الاحتجاج الميداني، فبحسب المحتجين، تعيش الدواوير الجبلية التابعة للجماعة أوضاعاً صعبة نتيجة تردي البنية التحتية واستمرار عزلة العديد من المناطق، خاصة بسبب وضعية الطريق الرئيسية التي يعتبرها السكان عائقاً حقيقياً أمام تنقلهم اليومي ووصولهم إلى الخدمات الأساسية.
وتؤكد شهادات محلية أن معاناة الساكنة لا تقتصر على الطرق فقط، بل تمتد إلى إشكالية الحصول على رخص البناء، حيث يعتبر السكان أن المساطر المعتمدة لا تراعي خصوصية المناطق القروية والجبلية، وهو ما يضع العديد من الأسر أمام صعوبات إدارية متواصلة، في وقت لا تزال فيه المنطقة تفتقر إلى عدد من التجهيزات والخدمات الأساسية.
ويرى متابعون أن الاحتجاج الذي شهدته جماعة تفني يندرج ضمن سياق أوسع تعيشه العديد من المناطق الجبلية بإقليم أزيلال، حيث ما تزال مطالب فك العزلة وتحسين البنيات التحتية وتوفير شروط العيش الكريم تتصدر أولويات الساكنة، مقابل شعور متزايد بأن وتيرة الإنجاز لا ترقى إلى حجم الانتظارات.
كما تعكس هذه التحركات الاحتجاجية اتساع الهوة بين الخطابات الرسمية حول التنمية المجالية والواقع الذي تعيشه بعض الجماعات القروية، حيث يضطر المواطنون في كثير من الأحيان إلى اللجوء إلى أشكال احتجاجية سلمية من أجل إيصال صوتهم والمطالبة بحقوق يعتبرونها أساسية وغير قابلة للتأجيل.
وفي الوقت الذي اختارت فيه الساكنة التعبير عن مطالبها عبر مسيرة سلمية، فإن الرهان الحقيقي اليوم يظل في قدرة مختلف المتدخلين على تقديم حلول عملية ومستدامة لهذه الإشكالات، بدل الاكتفاء بتدبيرها بشكل ظرفي عند كل موجة احتجاج.
فالطريق إلى التنمية لا يمر عبر المقاربة الأمنية أو التدخلات الآنية فقط، بل عبر معالجة جذور الاختلالات التنموية التي تدفع المواطنين إلى الاحتجاج. كما أن الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي يظل رهيناً بمدى قدرة المؤسسات على الإنصات للمطالب المشروعة وتحويلها إلى مشاريع ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
وتبقى الرسالة التي حملتها مسيرة تفني واضحة: ساكنة المناطق الجبلية لم تعد تطالب بالكثير، بل بالحد الأدنى من الحقوق المرتبطة بالتنقل والسكن والخدمات الأساسية وفرص العيش الكريم. وهي مطالب لا يمكن فصلها عن مفاهيم العدالة المجالية والتنمية المتوازنة التي تشكل إحدى الركائز الأساسية لأي مشروع تنموي حقيقي.
اليوم، تتجه الأنظار إلى مخرجات الحوار الذي جمع ممثلي المحتجين بمسؤولي العمالة، وإلى مدى قدرة الجهات المعنية على ترجمة الوعود إلى إجراءات عملية، لأن ما تحتاجه الساكنة ليس المزيد من الاجتماعات أو التشخيصات، بل حلولاً ملموسة تعيد الثقة في المؤسسات وتمنح المواطنين شعوراً بأن التنمية ليست امتيازاً جغرافياً، بل حقاً مكفولاً لجميع المغاربة أينما كانوا.
تعليقات الزوار