هبة زووم – الرباط
عاد عبد الحفيظ اليونسي، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، ليثير نقاشاً حساساً حول واقع الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة في المغرب، من خلال تدوينة مطولة اعتبر فيها أن حجم الملفات والاختلالات التي يتم الكشف عنها سنوياً من طرف مؤسسات الرقابة والحكامة، لم يعد ينسجم مع محدودية المتابعات والمحاسبات التي تطال المتورطين المفترضين في قضايا المال العام.
اليونسي لم يتحدث عن وقائع معزولة أو ملفات محدودة، بل أشار إلى ما وصفه بتراكم المعطيات الصادرة عن جهات متعددة، تشمل ممثلي الأمة داخل البرلمان، وتقارير مؤسسات الحكامة والرقابة، وملاحظات الهيئات الدولية، فضلاً عن القضايا التي تثيرها الصحافة الوطنية ومنصات التواصل الاجتماعي.
وبحسب المسؤول الحزبي، فإن هذا الكم من المعطيات والمؤشرات يكشف بشكل متكرر عن اختلالات يمكن أن تندرج، من الناحية القانونية، ضمن جرائم الأموال العمومية، سواء تعلق الأمر بالاختلاس أو تبديد المال العام أو الرشوة واستغلال النفوذ.
غير أن ما يثير الاستغراب، وفق تعبيره، هو أن هذه المعطيات، رغم تعدد مصادرها وتنوع الجهات التي تثيرها، لا تنتهي في كثير من الأحيان إلى مساطر واضحة للمساءلة أو المحاسبة، وهو ما يطرح أسئلة عميقة حول مدى تفعيل المبدأ الدستوري القائم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفي قراءته لهذا الوضع، طرح اليونسي احتمالين اعتبرهما مقلقين في الآن نفسه.
الاحتمال الأول يتمثل، بحسب رأيه، في وجود توجه يجعل من الشبكات الزبونية أداة لتدبير الشأن العام بهدف الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي. وفي هذه الحالة، يصبح الفساد نتيجة مباشرة لطبيعة هذا النمط من التدبير، وليس مجرد انحرافات فردية أو حالات استثنائية معزولة.
أما الاحتمال الثاني، والذي يراه أكثر خطورة، فيتمثل في فرضية تمكن شبكات المصالح والامتيازات من التغلغل داخل مؤسسات الدولة والتأثير على آليات اتخاذ القرار، إلى درجة يصبح معها الفساد جزءاً من آليات التدبير نفسها، وليس مجرد سلوك شاذ أو طارئ.
هذه القراءة تعكس، في العمق، تخوفاً متزايداً من اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يرفع شعارات الشفافية والنزاهة ومحاربة الفساد، وبين شعور جزء من الرأي العام بأن الاختلالات التي يتم الكشف عنها لا تجد دائماً طريقها نحو المساءلة الفعلية.
ويعتبر متابعون أن خطورة هذا النقاش لا تكمن فقط في الحديث عن ملفات فساد أو اختلالات تدبيرية، بل في انعكاس ذلك على منسوب الثقة داخل المجتمع. فالثقة تشكل أحد أهم الرأسمال اللامادي الذي تحتاجه الدول لإنجاح مشاريعها الكبرى وتعبئة المواطنين حول رهاناتها الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، حذر اليونسي من أن استمرار هذا الوضع يساهم في إضعاف ثقة المواطنين في المؤسسات، سواء كانت منتخبة أو معينة، ويغذي الشعور بعدم المساواة أمام القانون، خاصة عندما تتكرر التقارير التي تتحدث عن الاختلالات دون أن يواكبها إحساس عام بوجود محاسبة بالقدر نفسه.
كما توقف عند ما أسماه “الأوليغارشية الجديدة” و”البرجوازية الطفيلية”، في إشارة إلى فئات تستفيد، بحسب رأيه، من مواقع النفوذ والسلطة لتحقيق تراكمات مالية وثروات مرتبطة بمجالات الريع والامتيازات، وهو ما يشكل، وفق تحليله، تحدياً حقيقياً أمام أي مشروع إصلاحي يروم تعزيز دولة المؤسسات وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة.
ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة سؤالاً ظل مطروحاً بقوة خلال السنوات الأخيرة: هل تكفي التقارير الرقابية وحدها لمحاربة الفساد؟ أم أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل خلاصاتها وتوصياتها إلى إجراءات عملية ومحاسبات واضحة تعزز ثقة المواطن في المؤسسات؟
فالمعركة ضد الفساد لا تقاس فقط بعدد التقارير المنجزة أو حجم الاختلالات التي يتم الكشف عنها، بل بمدى قدرة الدولة ومؤسساتها على إقناع المواطنين بأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء، وأن المال العام يحظى بالحماية اللازمة بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو انتخابية أو فئوية.
وبين التحذيرات التي يطلقها الفاعلون السياسيون والحقوقيون، والتقارير التي تصدرها مؤسسات الرقابة والحكامة، يبقى الرهان الأكبر هو إعادة بناء الثقة وترسيخ قناعة لدى المواطنين بأن ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس مجرد شعار دستوري، بل ممارسة مؤسساتية يومية قادرة على حماية المصلحة العامة وصيانة مصداقية الدولة ومؤسساتها.
تعليقات الزوار