“الثقة تكاد تنعدم”.. اليونسي يهاجم واقع المؤسسات بالمغرب ويحذر من انفجار اجتماعي وشيك

هبة زووم – الرباط
في تشخيص حاد ومثير للواقع السياسي والاجتماعي بالمغرب، خرج الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي عبد الحفيظ اليونسي بتدوينة قوية اعتبر فيها أن البلاد تعيش على وقع تمدد ما وصفه بـ”الفساد الكبير”، في ظل تزايد حالات تنازع المصالح، واستغلال مؤسسات الدولة، وإضعاف آليات الرقابة والمحاسبة.
اليونسي لم يكتف بانتقاد بعض المظاهر المعزولة للفساد، بل ذهب أبعد من ذلك، مقدماً قراءة سوداوية لبنية السلطة والاقتصاد بالمغرب، معتبراً أن ما يحدث هو نتيجة مباشرة لتحالف “النيوليبرالية” مع “ديمقراطية هجينة”، أفرزت ـ حسب تعبيره ـ “أوليغارشية مفترسة” تحتكر الثروة والنفوذ وتحتمي بمؤسسات الدولة نفسها.
التدوينة حملت اتهامات ضمنية خطيرة، حين تحدثت عن سيطرة بعض اللوبيات على مسارات اتخاذ القرار التشريعي والتنفيذي، مع إظهار مؤسسات الرقابة، سواء القضائية أو الإدارية أو المستقلة، في صورة العاجز عن وقف هذا النزيف.
إنها ليست مجرد ملاحظات أكاديمية معزولة، بل توصيف عميق لأزمة ثقة متفاقمة بين المواطن والمؤسسات، في ظل شعور متزايد لدى فئات واسعة من المغاربة بأن القانون لا يطبق بنفس الصرامة على الجميع، وأن النفوذ المالي والسياسي أصبح يتحكم في مفاصل القرار العمومي.
الأخطر في طرح اليونسي هو ربطه بين هذا “الافتراس الاقتصادي” والتحولات الرقمية المتسارعة، معتبراً أن أدوات التكنولوجيا الحديثة لم تُستثمر فقط في التنمية، بل أصبحت بدورها جزءاً من منظومة التحكم وإعادة إنتاج الهيمنة الاقتصادية والسياسية.
وفي قراءة ذات بعد اجتماعي، توقف الباحث عند التحول الذي أصاب أجواء عيد الأضحى، معتبراً أن الشعيرة الدينية التي شكلت لعقود فضاءً ثقافياً وقيمياً داخل المجتمع المغربي، تحولت اليوم إلى مصدر ضغط نفسي واجتماعي على الأسر، بفعل الغلاء والاختلالات الاقتصادية واتساع الفوارق الاجتماعية.
هذا التحليل يعكس حجم التوتر الاجتماعي المتراكم داخل فئات واسعة من المجتمع، خصوصاً مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، في مقابل اتساع الإحساس بغياب العدالة الاقتصادية والاجتماعية.
ولم يخف اليونسي تخوفه من المستقبل، حين أشار إلى أن هامش مواجهة هذا الوضع يتقلص تدريجياً، سواء عبر الشارع أو عبر صناديق الاقتراع، بسبب ضعف الثقة في المؤسسات وفي جدوى المشاركة السياسية.
لكنه، في المقابل، يرى أن هذا الواقع لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، خاصة مع التحولات الديمغرافية التي يعرفها المغرب، وصعود أجيال جديدة مثل “جيل زد” و”جيل ألفا”، التي قد تعيد إنتاج موجات احتجاج جديدة، مدفوعة بالمطالبة بالكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.
وتحمل تدوينة اليونسي في عمقها رسالة سياسية واضحة: أن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة ليس فقط انتشار الفساد أو الاحتكار، بل فقدان الأمل والثقة لدى المواطنين، لأن اليأس الاجتماعي ـ حسب مضمون التدوينة ـ يتحول تدريجياً إلى حالة انفجار صامت قد تعجز كل أدوات التحكم عن احتوائه مستقبلاً.
وفي وقت تتزايد فيه الأصوات المنتقدة للأداء السياسي والاقتصادي بالمغرب، تبدو مثل هذه المواقف مؤشراً على اتساع دائرة القلق حتى داخل النخب الأكاديمية والفكرية، التي باتت تدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع في ظل استمرار ما يسميه البعض “زواج السلطة بالمال والنفوذ”.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد