حدو – أخشيش
تعيش قضية عمال معمل الحليب بمدينة أمزورن على وقع احتقان اجتماعي متصاعد، بعدما تحولت أحلام عشرات الأسر في الاستقرار والشغل الكريم إلى كابوس مفتوح عنوانه البطالة والتشرد والتجاهل الإداري، في ملف يكشف حجم العبث الذي يمكن أن تطاله المشاريع العمومية حين تغيب الإرادة الحقيقية للحل والمحاسبة.
فالعمال، الذين طرقوا كل الأبواب الممكنة، من السلطات الإقليمية إلى المصالح الفلاحية الجهوية والمركزية، يؤكدون أن معاناتهم ما تزال مستمرة وسط صمت مريب للجهات المعنية، وعلى رأسها عامل إقليم الحسيمة والمديرية الإقليمية والجهوية للفلاحة بجهة طنجة تطوان الحسيمة، في وقت بات فيه هؤلاء العمال يشعرون بأنهم خارج حسابات الدولة ومؤسساتها، وكأنهم “مواطنون بلا حقوق”.
الغضب الذي يتصاعد في صفوف العمال لم يعد مرتبطاً فقط بفقدان مناصب الشغل، بل أيضاً بالإحساس العميق بالحكرة والإقصاء، خصوصاً بعد تجاهل الأحكام القضائية الصادرة لصالحهم، والتي ظلت حبراً على ورق دون تنفيذ، في مشهد يطرح علامات استفهام خطيرة حول جدوى القضاء وهيبة القانون عندما يتعلق الأمر بالطبقات الهشة.
الأخطر في هذا الملف أن الأمر لا يتعلق بمقاولة خاصة صغيرة أو مشروع عابر، بل بوحدة فلاحية كلفت ما يقارب 6 مليارات سنتيم من المال العام، وكان يفترض أن تشكل قيمة مضافة حقيقية للمنطقة، سواء عبر دعم الاقتصاد المحلي أو خلق فرص الشغل أو تحريك الدورة التنموية بالحسيمة.
غير أن هذا المشروع، الذي قُدم في وقت سابق كرافعة تنموية واعدة، تحول اليوم إلى بناية مهجورة ومعدات مهددة بالتلف والضياع، بعدما تُركت الآليات والتجهيزات التي اقتنيت بمئات الملايين عرضة للإهمال والتآكل مع مرور الزمن، في صورة تختزل حجم الهدر الذي يطال عدداً من المشاريع العمومية بالمغرب.
العمال اليوم لم يعودوا يخفون يأسهم، بعدما أكدوا استعدادهم لخوض كل الأشكال الاحتجاجية الممكنة، بداية من الوقفات الاحتجاجية خلال شهري يوليوز وغشت المقبلين، وصولاً إلى الاعتصام المفتوح رفقة أسرهم أمام الإدارات المعنية، بل وحتى الإضراب عن الطعام، بعدما وصلت أوضاعهم الاجتماعية والنفسية إلى مستويات وصفوها بـ”غير المحتملة”.
وما يزيد من خطورة الوضع أن استمرار إغلاق هذه الوحدة لا يعني فقط ضياع مناصب الشغل الحالية، بل أيضاً دفن أي أمل في إعادة تحريك عجلة التنمية المحلية، في منطقة تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى مشاريع منتجة تخلق الثروة وتعيد الثقة للشباب في المستقبل.
إن ما يحدث بمعمل الحليب بأمزورن ليس مجرد نزاع شغلي عادي، بل نموذج صارخ لكيفية تحول مشروع تنموي ضخم إلى عبء اجتماعي واقتصادي بسبب سوء التدبير وغياب الحسم الإداري والتنصل من المسؤولية.
اليوم، لم يعد السؤال المطروح فقط: متى سيُنصف العمال؟ بل أصبح السؤال الأكبر: من يحاسب المسؤولين عن تحويل مشروع كلف الملايير إلى أطلال صامتة، وعن دفع عشرات الأسر إلى حافة الانفجار الاجتماعي واليأس؟
تعليقات الزوار