هبة زووم – الرباط
في وقت لم تجف فيه بعد أحبار اتفاق جديد بقيمة 250 مليون دولار وقعته الحكومة المغربية مع البنك الدولي لصالح وكالة التنمية الاجتماعية، خرج رئيس الحكومة عزيز أخنوش في لقاء حزبي بأكادير ليزف للمغاربة ما اعتبره حصيلة إيجابية، متمثلة في تقليص نسب المديونية، التحكم في عجز الميزانية، وتحقيق نسبة نمو اقتصادي “مشجعة” رغم التقلبات الدولية.
لكنّ الخطاب الذي يبدو، للوهلة الأولى، مطمئنًا ومنمقًا، يصطدم على الأرض بواقع اقتصادي واجتماعي بالغ الهشاشة، تتفاقم فيه الفوارق، وتتقلص فيه فرص العيش الكريم، في ظل غلاء متصاعد، وتراجع الخدمات الحيوية في قطاعات التعليم، الصحة، والتشغيل، مقابل إصرار رسمي على مواصلة الاقتراض الخارجي بوتيرة غير مسبوقة.
كيف لحكومة تدّعي تقليص المديونية أن توقع قرضًا جديدًا كل بضعة أشهر؟ وكيف يمكن الحديث عن “التحكم في العجز” بينما تستمر تمويلات البرامج الاجتماعية الأساسية – من دعم الفئات الهشة إلى تأهيل الصحة والتعليم – عبر قروض خارجية ثقيلة الشروط؟
تساؤلات مشروعة يطرحها اليوم العديد من المتابعين، وهم يشاهدون ما وصفه أحد الخبراء بـ”تضخم المؤشرات على الورق”، في مقابل تراجع القدرة الشرائية للأسر، وغياب أثر مباشر لتحسن المؤشرات الماكرو – اقتصادية على الحياة اليومية للمواطنين، وخاصة في العالم القروي، وهوامش المدن، ومناطق الهشاشة التي تعيش في هوة الصمت التنموي.
تحذيرات المؤسسات المالية الدولية، بما في ذلك البنك الدولي نفسه، لم تعد تخفي قلقها من هشاشة المنظومة الاجتماعية بالمغرب، وتنامي الفجوة بين الطبقات.
فالقروض التي يتم الترويج لها كـ”تمويلات تنموية”، قد تتحول إلى أدوات تقييد للقرار السيادي، خصوصًا حين يصبح تنفيذ أي إصلاح اجتماعي مرهونًا بموافقة المؤسسات المانحة وشروطها.
ويحذر خبراء الاقتصاد من استمرار الحكومة في ربط مشاريع التنمية الاجتماعية بالقروض بدل الاعتماد على تعبئة داخلية للموارد، معتبرين أن ذلك يراكم التبعية المالية، ويجعل الميزانيات المستقبلية رهينة للديون لا للإرادة الوطنية.
ورغم تمسك رئيس الحكومة بلغة التفاؤل، إلا أن الشارع المغربي بات يُبدي تشككًا واسعًا في الرواية الرسمية، خصوصًا مع الانفجار المستمر في أسعار المواد الغذائية، وتدهور مستوى الخدمات العمومية، وفقدان فئات واسعة من الشباب والنساء لأي أفق واضح في التشغيل والكرامة الاجتماعية.
بل إن لغة الأرقام الحكومية، التي تُعرض بمنطق تسويقي في كل خرجة إعلامية، صارت بالنسبة للبعض “مفصولة عن الواقع”، إن لم تكن “غطاء لتجميل الفشل”، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى الاعتراف بالاختلالات البنيوية، لا إلى الاكتفاء بطلاء الوضع بالإنجازات الانتقائية.
إنّ التحديات التي تواجهها البلاد على مستوى التنمية والمساواة والكرامة الاجتماعية، لم تعد تحتمل ترف الخطابات المطمئنة أو التغني بجاذبية الأرقام. فالمغرب اليوم، في حاجة إلى حكومة تعترف بأن الأولويات لم تُرتب جيدًا، وأن النمو الحقيقي يجب أن يُقاس بما يحسّه المواطن في سوق الخضر، في المستشفى العمومي، وفي الفصل الدراسي، لا بما تسوّقه البيانات الوزارية.
ولعل أولى خطوات الإصلاح الحقيقي تبدأ بكسر وهم “النجاحات الكبرى” التي لا يُرى لها أثر، والقطع مع السياسة التواصلية المبنية على تجميل المأزق، نحو رؤية تنموية وطنية، واضحة التمويل، واضحة الأثر، وواضحة في التزاماتها تجاه المواطن أولًا.
تعليقات الزوار