وهبي في عين العاصفة: هل تهرب الوزير من الضريبة باسم “الأسرة”؟

هبة زووم – الرباط
في سياق سياسي لا تنطفئ فيه نيران الشبهات حول من يفترض فيهم أن يكونوا حماة القانون، وجد وزير العدل عبد اللطيف وهبي نفسه، ولأول مرة، مضطرًا للخروج عن صمته للرد على ما اعتبره “حملة سياسية موجهة”، بعد تفجر فضيحة عقارية ـ ضريبية ذات أبعاد قانونية وأخلاقية، تتعلق بتفويته فيلا فاخرة بالعاصمة الرباط إلى زوجته، بقيمة مصرح بها لا تتجاوز مليون درهم، في حين أن قيمتها السوقية تتجاوز 11 مليون درهم، بحسب وثائق متداولة.
الوزير، وفي حوار مثير نشره موقع “هسبريس”، لم ينفِ واقعة الهبة، بل سعى إلى تأطيرها قانونيًا من خلال استدعاء مفهوم “الكد والسعاية” الذي يحيل إلى عرف قضائي يتعلق بتقاسم الثروة بين الزوجين، معتبرا أن لا موجب قانوني لأداء ضريبة على ربح لم يتحقق، حسب تأويله.
لكن دفاع وهبي هذا، وإن بدا مطمئنًا قانونيًا على السطح، يفتح الباب واسعا أمام أسئلة محرجة حول منطق الشفافية الضريبية والعدالة الجبائية في بلد يُطالَب فيه المواطن البسيط بالتصريح بقيمة أي تملك أو تفويت عقاري حقيقي، تحت طائلة أداء ضرائب تثقله لسنوات.
فكيف لوزير العدل، الذي يُفترض أن يكون نموذجا في احترام النص والروح معًا، أن يبرر تصريحا بقيمة مليون درهم فقط لفيلا تم اقتناؤها بقرض يناهز 11 مليونا؟
ما لا يدركه الوزير أو يتجاهله عن عمد، هو أن النقاش ليس فقط حول قانونية التصريح، بل حول مدى احترامه لروح العدالة الجبائية التي تقتضي الشفافية في المعاملات العقارية.
فإذا كان وزير في الحكومة يصرّح بقيمة غير واقعية، فما الرسالة التي تُبعث للإدارات الجبائية حين تلاحق صغار الموظفين والتجار على أدق التصريحات؟ أليس هذا تجسيدًا فجًا لما يسمى بـ”ازدواجية المعايير”؟
أخطر من ذلك، أن يربط الوزير ممارسة الإعلام بدور “الطابور الخامس”، متهمًا جهات مجهولة بتسريب الوثائق بدوافع سياسية. هذا النوع من الخطاب، الذي يلجأ إلى تخوين منتقديه عوض مواجهتهم بالحجج، يعكس تحولًا خطيرًا في العلاقة بين السلطة التنفيذية والرأي العام، ويُعيد إلى الأذهان ممارسات ماضوية كان فيها الحديث عن “الذئاب الداخلية” ذريعة لإسكات أي مساءلة.
الوزير بدا منزعجًا من تسريب الوثائق وتداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه لم ينف صحتها، بل أكّد مضمونها، ومع ذلك، رفض الخوض في التفاصيل، قائلاً إن ما يملكه أو تملكه زوجته “لا يهم أحداً”، متناسياً أن الشفافية جزء من المسؤولية العمومية، وأن القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومة يمنح الصحافة والمواطنين الحق في طرح الأسئلة حول الذمة المالية للمسؤولين العموميين، خاصة إذا كانت تحوم حولها شبهات التلاعب أو التملص.
يبدو أن وهبي، وهو على رأس قطاع العدل، لم يُدرك بعد أن موقعه يفرض عليه التقيد بمعايير أخلاقية مضاعفة، وأن تسويغ أي خرق أو تحايل محتمل على القانون، حتى وإن بدا قانونيًا من وجهة نظر شكلية، يهدم ما تبقى من ثقة المواطنين في حياد الدولة ومؤسساتها.
ففي نهاية المطاف، ليست المسألة فقط في قيمة العقار المصرّح بها، بل في دلالة الفعل نفسه: التلاعب بالمعلومة الرسمية لأغراض شخصية.
قضية هبة الفيلا ليست مجرد حادث عابر في مسار مسؤول حكومي، بل مؤشّر على أزمة أعمق في علاقة النخبة الحاكمة بقيم الشفافية والمساءلة. وإذا كان الوزير مصرًا على أنه لم يرتكب خطأً قانونيًا، فإن الخطأ الأخلاقي والسياسي قائم بذاته، وربما أخطر.
لقد فُرضت على المواطنين، خلال السنوات الأخيرة، عشرات الإجراءات الصارمة في مجال التصريح بالممتلكات، والتدقيق الجبائي، وربط الحسابات البنكية بالتعريف الضريبي، والآن يُطلب منهم أن يصدقوا أن وزير العدل نفسه يصرّح بقيمة رمزية لفيلا تساوي الملايين.
ما حدث ليس زلة، بل اختبار حقيقي للدولة: إما أن تُظهر أن لا أحد فوق القانون، أو أن تؤكد مجددًا أن “العدالة” في المغرب… لا تسكن كل الفيلات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد