هبة زووم – الرباط
مرة أخرى، يجد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، نفسه في قلب زوبعة سياسية تحت قبة البرلمان، بعدما أطلق تصريحًا أثار موجة من الجدل، حين قال: “سأدخل الجنة وهم سيدخلون جهنم”، في رد على مداخلات نواب من المعارضة، خلال مناقشة مشروع القانون المتعلق بالتراجمة المحلفين.
الجلسة التشريعية التي احتضنها مجلس النواب، الثلاثاء 22 يوليوز 2025، تحولت من نقاش قانوني إلى مسرح للملاسنات السياسية والتلميحات الأخلاقية والدينية، في مشهد يعيد إلى الأذهان مواقف وتصريحات وهبي التي لا تمر دون أن تترك وراءها دخاناً سياسياً كثيفاً.
في قلب هذا التوتر، كان عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، الذي لم يُخفِ انزعاجه من الطريقة التي دبر بها الوزير الجلسة.
فبينما كانت الفرق والمجموعات النيابية تعرض تعديلات مقترحة، اكتفى وهبي بالرد بعبارة مقتضبة: “عدم القبول”، دون أي تعليل، مما دفع بوانو إلى التذكير بأن هذه الجلسة عمومية، وتنشر مضامينها في الجريدة الرسمية، وبالتالي فإن التفاعل مع النواب ليس ترفاً، بل واجباً سياسياً ومؤسساتياً.
غير أن وهبي، المعروف بأسلوبه الساخر والمستفز أحياناً، لم يتأخر في الرد، قائلاً إن “البعض يناقش بحسن نية، والبعض الآخر يبحث عن الفلوات”، قبل أن يختتم بتصريحه الصادم: “سأبقى بحسن نية وسأدخل الجنة وهم سيدخلون جهنم، لأن الله يعلم ما في سرّه”.
هذا التصريح أثار حفيظة نواب المعارضة الذين اعتبروه “انزلاقاً خطيراً”، يجسد استخفافاً بالسياق الدستوري للنقاش البرلماني، وتوظيفاً غير مقبول للخطاب الديني في ساحة سياسية يفترض أن تكون محكومة بمبادئ الحوار والمسؤولية.
ما يضاعف من حساسية التصريح هو توقيته، حيث يأتي بعد أيام فقط من تفجر جدل آخر حول ما قيل إنه “تهرب ضريبي” مرتبط بهبة عقارية تخص الوزير نفسه. وقد لمح بوانو إلى هذه القضية بقوله: “قد نتفهم ما يمر به السيد الوزير، لكن التفاعل في الجلسة أمر ضروري”.
عدد من المراقبين رأوا في كلام وهبي خروجاً عن قواعد النقاش السياسي المتزن، وتحوّله إلى ما يشبه “محكمة أخلاقية غيبية”، يتوزع فيها المتدخلون بين “أبرار وفجار”، بدل أن يكون النقاش قائماً على القانون والمنطق والمصلحة العامة.
في المقابل، يرى أنصار وهبي أن الرجل يواجه “تحرشاً سياسياً متكرراً” من طرف المعارضة، معتبرين أن تصريحاته هي ردود أفعال طبيعية على “الاستفزازات المتكررة”، وأنه يملك كامل الحرية في التعبير ما دام لا يخرق القوانين.
لكن هذا التبرير لا يُقنع الجميع، خصوصاً في ظل تصاعد الأصوات التي تدعو إلى إعادة النظر في منهجية تواصل وزراء الحكومة مع المؤسسة التشريعية، وضمان احترامهم لأعراف النقاش الديمقراطي. فمهما بلغت سخونة النقاش، يبقى الخروج عن اللباقة والسقوط في لغة “الفرز الأخروي” مؤشراً على أزمة أعمق في الخطاب السياسي.
تبقى الحقيقة الثابتة أن كل تصريح لعبد اللطيف وهبي صار قابلاً للتحول إلى قضية رأي عام، إما لأنه يتعمد الإثارة، أو لأنه ببساطة لا يملك القدرة على تقدير تأثير كلماته. وبين هذا وذاك، تبقى المؤسسة البرلمانية هي الخاسر الأكبر، حين يُستبدل النقاش التشريعي بـ”نبوءات جهنمية”.
تعليقات الزوار