هبة زووم – القنيطرة
من الناحية الشكلية، قد يبدو إعفاء محمد العربي كركب، رئيس جامعة ابن طفيل، بمثابة ردّ حازم على “واقعة غير مقبولة تمس بحرمة الجامعة”، خصوصًا في ظل ما اعتبرته وزارة التعليم العالي خروجاً عن الضوابط الأكاديمية في تنظيم حفل تخرج.
لكن الواقع السياسي والمؤسساتي يحمل أبعادًا أخرى، تجعل من الضروري طرح السؤال الجوهري: هل نعيش لحظة إصلاح حقيقية، أم مجرد تصفية حسابات مغلفة بورقة الأخلاق الأكاديمية؟
جامعة في قلب العاصفة
الشرارة انطلقت من صور ومقاطع فيديو لحفل التخرج، نُظمت فيه فقرات غنائية أدّتها مجموعة من “الشيخات”، وسط أجواء اعتبرها كثيرون غير ملائمة لطبيعة الجامعة، وأثارت موجة من السخط العام في الأوساط الأكاديمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
وقد اعتُبر هذا المشهد تطبيعاً مع ثقافة الترفيه السطحي داخل مؤسسات يُفترض أن تحكمها معايير الصرامة العلمية والقيم الأكاديمية، في وقت يتساءل فيه كثير من المغاربة عن تراجع جودة التعليم العالي وانفصاله عن سوق الشغل والبحث العلمي الجاد.
وبحسب ما أوردته مصادر الجريدة، فإن الوزارة حملت رئيس الجامعة مسؤولية الترخيص للحفل دون تقييم لملاءمته الأكاديمية، وهو ما وُصف بالتقصير الإداري والانزلاق في تدبير المؤسسة.
القرار اتخذ بعد تقييم إداري وسياسي شامل، قادته الوزارة، في مسعى لإعادة الاعتبار لمكانة الجامعة كمؤسسة عمومية ذات رسالة نبيلة.
كركب.. الرجل المحسوب على الميراوي
من المهم التذكير بأن محمد العربي كركب عُيّن رئيسًا لجامعة ابن طفيل في عهد الوزير السابق عبد اللطيف الميراوي، وكان يُعتبر ضمن الدائرة المقربة منه، إن لم يكن أحد اختياراته المباشرة.
وهو ما يضع قرار الإقالة في سياق سياسي داخلي داخل الوزارة، حيث لا يُستبعد أن تكون الخطوة رسالة “فك ارتباط” مع إرث الميراوي، خصوصاً بعد صعود عز الدين ميداوي إلى رأس القطاع وهو الذي كان رئيسا لذات الجامعة وتم إبعاده منها بقرار من الميراوي.
في هذا السياق، تبدو “فضيحة الشيخات” فرصة سانحة لا أكثر، تم استغلالها لتبرير قرارٍ جاهزٍ سلفًا، ربما كان ينتظر اللحظة المناسبة فقط.
ازدواجية الخطاب أم ازدواجية المعايير؟
إذا كانت وزارة التعليم العالي فعلاً معنية بالحفاظ على صورة الجامعة، فلماذا لم تُفعّل هذه الحزم في ملفات أكثر عمقًا وخطورة، مثل تدني جودة التكوين، غياب البحث العلمي الجاد، أو سوء تسيير بعض الجامعات العمومية والخاصة؟
ما حدث يعزز فكرة أن هناك ازدواجية في تطبيق معايير المحاسبة، حيث لا تُفتح الملفات إلا إذا كانت “الفرصة مواتية”، وغالبًا ما يتم تغليف القرارات السياسية بلبوس أخلاقي أو إداري لإضفاء الشرعية عليها.
إصلاح أم إعادة ترتيب البيت الوزاري؟
بعيدًا عن الضجة الإعلامية، فإن قرار الإقالة لا يمكن فصله عن رغبة الوزير الجديد في إعادة ترتيب بيته الداخلي، عبر تعيين رؤساء جامعات محسوبين على توجهه، أو على الأقل موالين لرؤيته الإصلاحية، وهو ما قد يُفسّر مستقبلًا عبر سلسلة تعيينات جديدة تطال مؤسسات جامعية أخرى.
لكن، ما لم يتم ربط هذا التغيير برؤية واضحة لإصلاح حوكمة الجامعات وتعزيز استقلاليتها والمحاسبة الشفافة، فستظل مثل هذه الإعفاءات صراعات نخب أكثر من كونها إصلاحًا حقيقيًا يمس جوهر التعليم العالي.
تعليقات الزوار