التوقيت الميسر بالجامعات: وعود الوزير تصطدم بواقع “فوضى التدبير” وطلاب عالقون

هبة زووم – الرباط
يبدو أن نظام “التوقيت الميسر” الذي اعتمدته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار على مستوى الجامعات المغربية، لا يعيش أحسن أحواله، رغم التطمينات المتكررة التي قدمها الوزير عز الدين المداوي في مناسبات سابقة حول نجاح هذه التجربة وضمان استمرار مجانية التعليم وجودته.
فبالرغم من بلوغ الموسم الجامعي الحالي منتصف طريقه، لا يزال طلاب مسجلون في عدد من برامج الماستر يعيشون إكراهات كبيرة، بلغ بعضها حد “إنهاء المسار قبل أن يبدأ”، بينما يواجه آخرون مصيراً غامضاً وسط ارتباك في تدبير الجداول الزمنية والموارد البيداغوجية.
بحسب مصادر مطلعة من داخل عدة جامعات، فإن الارتباك الحاصل في تدبير “التوقيت الميسر” يتجلى في عدة مظاهر: تأخر انطلاق بعض الوحدات الدراسية، حيث ينتظر طلاب أسابيع دون بدء الفصول المقررة، وتضارب الجداول الزمنية الذي يُصعب التوفيق بين أوقات العمل وأوقات الدراسة للفئة المستهدفة، ونقص في الموارد البيداغوجية بسبب عدم توفر الأساتذة في الأوقات المسائية أو نهاية الأسبوع، مع وغموض في آليات التسجيل والانتقال جراء غياب وضوح في المساطر المنظمة لهذه الصيغة الجديدة.
هذه الاختلالات لا تمس فقط “الراحة البيداغوجية” للطلاب، بل تضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص الذي يُفترض أن يكرسه هذا النظام لفائدة الموظفين والأجراء الراغبين في استئناف دراستهم.
كان الوزير عز الدين المداوي قد دافع عن نظام التوقيت الميسر ردا على انتقادات برلمانية، معتبراً أن “الأساتذة الذين سيقدمون خدماتهم لهؤلاء الطلبة ليلاً وفي نهاية الأسبوع بحاجة إلى من يعوضهم”، متسائلاً: “هل تريدون من زميلاتي وزملائي الأساتذة أن يعملوا مجانا في هذه الأوقات؟”.
هذا الطرح، رغم وجاهته من زاوية حقوق الأساتذة، أعاد فتح نقاش قديم وحساس: أين ينتهي “التعويض المشروع” وأين يبدأ “تسليع التعليم العمومي”؟
فبينما ترى الوزارة أن تعويض الأساتذة حق مشروع، وأن التوقيت الميسر يخدم الفئات العاملة، وأن الحفاظ على جودة التعليم يتطلب موارد، يرى النقاد أن التعويض قد يفتح باب “المال مقابل الدراسة”، وأن النظام قد يُقصي غير القادرين على الأداء، وأن المجانية لا تتوافق مع منطق “الأداء مقابل الخدمة”.
هذا، وقد واجه قرار التوقيت الميسر عند مناقشة مشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، دعوات من طرف برلمانيين في المعارضة، علاوة على برلماني حزب الاستقلال عبد الرحيم بوعيدة، إلى التراجع عما وصفوه بـ”تسليع الجامعة العمومية”، والقطع مع سياسة “المال مقابل الدراسة”.ل
وفي نفس السياق، وجهت مليكة الزخنيني، عضو الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، انتقادات حادة للنظام، معتبرة أن الخطوة تمثل “إعلاناً لإنهاء مجانية التعليم”.
وقالت الزخنيني في جلسة برلمانية سابقة: “ما سمي اليوم ميسراً سيكون لاحقاً معسراً”، مضيفة أن المجانية لا يمكن الحديث عنها مع إلزام الراغبين في استئناف دراستهم بالجامعات العمومية بالأداء.
وأضافت أن القرار “يضرب في مبدأ تكافؤ الفرص، لأن الذي يؤدي ليدرس ليس هو الذي لا يؤدي”، مؤكدة أن “الجامعة العمومية أحدثت للفقراء، بينما الجامعات الخاصة لمن يحوزون الإمكانات المالية”.
وينص الدستور المغربي في فصله 31 على أن “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في: التعليم والتكوين”.
كما يؤكد الفصل 32 على أن “تعمل الدولة على ضمان تكافؤ الفرص، ولجميع المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، حق ولوج الوظائف حسب الاستحقاق”.
فحين يُشترط “أداء مالي” غير مباشر للوصول إلى صيغة دراسية معينة، حتى لو كان مبرراً بـ”تعويض الأساتذة”، فإن السؤال الدستوري يفرض نفسه: أين يقع الحد الفاصل بين “التدبير المرن” و”المس بالمجانية”؟
وأمام هذه الوضعية، تبرز مجموعة من الأسئلة المشروعة التي تستدعي إجابات واضحة من الوزارة الوصية: أولاً، ما هي التدابير العاجلة المتخذة لمعالجة الارتباك الحاصل في تدبير “التوقيت الميسر” بالجامعات؟ ثانياً، كيف تضمن الوزارة أن “تعويض الأساتذة” لن يتحول إلى “أداء إلزامي” على الطلاب؟ ثالثاً، ما هي الآليات الموضوعة لضمان تكافؤ الفرص بين الطلاب المستفيدين من التوقيت العادي والتوقيت الميسر؟ رابعاً، متى سيتم إصدار دليل إجرائي واضح يحدد حقوق وواجبات جميع الأطراف في هذا النظام؟ وخامساً، كيف ستراقب الوزارة عدم تحول “التوقيت الميسر” إلى بوابة لـ”خصخصة جزئية” للخدمة الجامعية؟
في النهاية، لم يعد الجدل حول “التوقيت الميسر” مجرد “خلاف تقني” حول الجداول الزمنية. إنه اختبار حقيقي لقدرة الوزارة على التوفيق بين ثلاثية صعبة: حقوق الأساتذة، مجانية التعليم، وتكافؤ الفرص.
فإذا كانت وزارة التعليم العالي جادة في إنجاح هذا النظام، فلا بد من خطوات ملموسة: إصدار دليل إجرائي شفاف يحدد بوضوح آليات التطبيق والحقوق والواجبات، وضمان موارد بيداغوجية كافية دون تحميل الطلاب أعباء مالية غير مبررة، ومراقبة صارمة لمنع أي انزلاق نحو “تسليع” الخدمة الجامعية، مع حوار مستمر مع النقابات والطلاب والبرلمان لضمان تعديلات تخدم المصلحة العامة. وتقييم دوري وعلني للتجربة لتصحيح المسار قبل فوات الأوان.
الطالب المغربي لا يحتاج إلى وعود. يحتاج إلى نظام واضح، عادل، يحفظ كرامته، ويضمن حقه في تعليم عمومي ذي جودة، دون تمييز بين من يدرس نهاراً أو مساءً.
فإما إصلاح شجاع يُنقذ “التوقيت الميسر” من الغموض، وإما استمرار في الارتباك الذي يُهدد بتحويل “فرصة” إلى “إكراه”، والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة ليقول: كفى لغموض يُضيع حقوق الطلاب.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد