هبة زووم – أزيلال
في مراسلة رسمية حملت توقيع فاعلين جمعويين وسكان من منطقة أيت بوولّي بإقليم أزيلال، وُجهت شكاية مستعجلة إلى المندوب الإقليمي لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، تكشف عن “وضع كارثي” يعيشه المركز الصحي المحلي، في وقت يُفترض أن يكون هذا المرفق خط الدفاع الأول عن صحة المواطنين في منطقة جبلية نائية.
وتأتي هذه الشكاية، المؤرخة في 21 فبراير 2026، والتي تتوفر هبة زووم على نسخة منها، لتضع الجهات المسؤولة أمام مسؤولياتها، بعد رصد مجموعة من “الاختلالات الخطيرة” التي تمس، حسب الموقعين، الحق الدستوري للسكان في الولوج إلى العلاج بكرامة ومساواة.
وتتصدر قائمة الاختلالات التي رصدتها الشكاية قضية “الغياب المستمر وضعف المداومة” بالمركز الصحي لأيت بوولّي، فبحسب المعطيات الواردة في الوثيقة، يعاني السكان من غيابات متكررة للموظفين، وامتناع البعض عن تقديم الإسعافات الضرورية خارج أوقات العمل الرسمية أو خلال الليل.
والأخطر من ذلك، أن “إغلاق الأبواب في وجه الحالات الاستعجالية” أصبح ممارسة شبه يومية، مما يُهدد سلامة المواطنين الذين يجدون أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانتظار ريثما يُفتح المركز، وإما المخاطرة بالتنقل عبر طرق جبلية وعرة نحو المستشفى الإقليمي بأزيلال.
لا تقتصر معاناة سكان أيت بوولّي على الجانب اللوجستي فقط. فالشكاية تُسجل، وبكل أسف، “تعامل بعض الموظفين بمنطق الاستعلاء والتحقير تجاه الساكنة المحلية”، في أسلوب لا يليق بمرفق عمومي يُفترض أن يخدم المواطنين بتواضع وإنسانية.
كما تُشير الوثيقة إلى إشكالية لغوية حساسة: “الاستهزاء باللغة الأمازيغية، اللغة الأم للساكنة، ورفض التواصل بها أو توفير من يترجمها”. هذه الممارسة، إن ثبتت، لا تُعيق فقط عملية التشخيص والعلاج، بل تمس أيضاً بالهوية الثقافية للمنطقة وبكرامة المرضى الذين لا يتقنون غير لغتهم الأم.
من أكثر النقط إثارة للاستنكار في الشكاية، ما وُصف بـ”سياسة التوجيه العشوائي” للحالات المرضية نحو المستشفى الإقليمي بأزيلال، الذي يبعد عن أيت بوولّي بـ76 كلم عبر طرق جبلية منعرجة.
فبحسب الموقعين، يتم توجيه “أغلب الحالات، بما فيها الحالات البسيطة والنساء الحوامل”، إلى أزيلال “دون تقديم الحد الأدنى من الإسعافات الأولية”.
هذه الممارسة لا تُثقل كاهل الأسر بمصاريف التنقل فحسب، بل تُعرض أيضاً حياة الحوامل للخطر في منعرجات المنطقة، خاصة في الظروف الجوية الصعبة أو خلال الليل.
وتُشير الشكاية أيضاً إلى رصد “ممارسات لبعض العناصر داخل المركز تهدف لاستغلال حاجة الناس والسمسرة في الخدمات التي يجب أن تقدم بالمجان وبالمساواة بين الجميع”.
هذا الاتهام، إن ثبتت صحته، لا يُسيء فقط للموظفين المعنيين، بل يضرب في العمق مصداقية المرفق الصحي العمومي ككل، فحين تتحول “الوصفة الطبية” أو “موعد الكشف” إلى سلعة تُباع وتُشترى، فإن الثقة بين المواطن والمؤسسة الصحية تتآكل، ويُهدر الحق في العلاج العادل.
بناءً على هذه المعطيات، يلتمس الموقعون على الشكاية من المندوب الإقليمي للصحة بأزيلال اتخاذ مجموعة من الإجراءات العاجلة:
أولاً، إيفاد لجنة تفتيش عاجلة للوقوف على انضباط الموظفين وجودة الخدمات بالمركز الصحي لأيت بوولّي.
ثانياً، تفعيل المداومة الليلية والحرص على استقبال الحالات الاستعجالية والنساء الحوامل بكرامة.
ثالثاً، فرض احترام الخصوصية اللغوية والثقافية للمنطقة، لضمان تواصل فعال مع المرضى الناطقين بالأمازيغية.
رابعاً، ربط المسؤولية بالمحاسبة، واتخاذ الإجراءات التأديبية في حق كل من ثبت في حقه تقصير أو إهانة للمواطنين.
وينص الدستور المغربي في فصله 31 على أن “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في: العلاج والعناية الصحية”.
كما تؤكد مدونة الأخلاقيات الطبية على وجوب معاملة المرضى “باستقلال عن أصلهم، جنسهم، دينهم، أو لغتهم”، مع احترام كرامتهم في جميع مراحل الرعاية الصحية.
فحين تُنتهك هذه المبادئ في مرفق صحي عمومي، فإن الأمر لا يتعلق فقط بـ”شكوى إدارية”، بل بـمسألة قانونية ودستورية تستدعي تدخلاً عاجلاً من الجهات الرقابية.
في النهاية، لم تعد شكاية سكان أيت بوولّي مجرد “ورقة إدارية” تُودع في أرشيف المندوبية. إنها جرس إنذار يُنبه إلى أن الحق في الصحة لا يُحمى بالشعارات، بل بالأفعال.
فإذا كانت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية جادة في تطبيق مبادئ الحكامة والعدالة المجالية، فلا بد من خطوات ملموسة: تحقيق نزيه وشامل في جميع الاختلالات المُثارة، وإجراءات تأديبية صارمة في حق المقصرين، وخطة عاجلة لتأهيل المركز الصحي بأيت بوولّي بشرياً ولوجستياً، وتواصل شفاف مع الساكنة حول النتائج والتدابير المتخذة.
فمواطن أيت بوولّي اليوم لا يحتاج إلى وعود، يحتاج إلى مركز صحي يفتح أبوابه للاستعجالات، وموظفين يحترمون كرامته، وعلاج يصل إليه دون أن يخاطر بحياته في طريق جبلية.
فإما تدخل عاجل يُعيد الثقة في المرفق الصحي، وإما استمرار في التهميش الذي يُهدد أرواحاً بريئة. والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة ليقول: كفى لتهميش الحق في الصحة.
تعليقات الزوار