بين الذباب الإلكتروني والإرادة الشعبية.. معركة صناعة الرأي العام لتسويق رئيس الحكومة القادم تثير الجدل

هبة زووم – الرباط
قبل أشهر قليلة من الاستحقاقات التشريعية المقبلة، بدأت ملامح معركة انتخابية من نوع جديد تتشكل في الفضاء الرقمي، بعدما تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة مفتوحة للتأثير على الرأي العام وصناعة الانطباعات السياسية، في ظل اتهامات متزايدة باستعمال الحسابات الوهمية وشبكات الذباب الإلكتروني لتوجيه النقاش العمومي وصناعة زعامات افتراضية.
وفي هذا السياق، كشف تحقيق صحفي مشترك أنجزته جريدتا “المحرر” و”هبة زووم”، بالاستعانة بخبراء في الأمن الرقمي والتسويق الإلكتروني، عن معطيات اعتبرها مثيرة للقلق، تتحدث عن حملة رقمية واسعة تهدف إلى الترويج لشخصية حكومية باعتبارها المرشح الأوفر حظاً لقيادة الحكومة المقبلة، عبر وسائل إلكترونية لا تعكس بالضرورة المزاج الحقيقي للرأي العام.
وبحسب ما أورده التحقيق، فإن التحليل التقني لآلاف المنشورات والتفاعلات الرقمية كشف مؤشرات على وجود شبكة واسعة من الحسابات غير الأصيلة، يقدر عددها بأكثر من عشرة آلاف حساب، تعمل بطريقة منسقة على تضخيم نسب الإعجاب والمشاركة وإعادة نشر المحتوى نفسه، بما يمنح انطباعاً بوجود زخم شعبي واسع حول الشخصية المعنية.
ويشير التحقيق إلى أن الخبراء المشاركين في عملية الرصد لاحظوا تكرار الحسابات نفسها، واعتماد أنماط نشر وتعليق متشابهة، وهو ما اعتبروه من بين المؤشرات التقنية التي قد تدل على وجود حملات رقمية منظمة، داعين إلى تعزيز آليات مراقبة الفضاء الرقمي خلال المرحلة الانتخابية.
وفي المقابل، سجل التحقيق أن التعليقات غير الخاضعة لعمليات الترويج المدفوعة، خصوصاً على المنصات الإخبارية المستقلة، حملت مواقف نقدية حادة تجاه الشخصية الحكومية المعنية، حيث ركز عدد من المتفاعلين على تحميلها مسؤولية ملفات اجتماعية واقتصادية وسياسية، من بينها تدبير عدد من الأزمات التي عرفتها البلاد في الآونة الأخيرة.
ويثير هذا المعطى، بحسب معدي التحقيق، سؤالاً محورياً حول الفارق بين “الرأي العام الحقيقي” و”الرأي العام المصطنع”، ومدى قدرة الحملات الرقمية المنظمة على التأثير في اختيارات المواطنين أو خلق صورة إعلامية لا تعكس الواقع الانتخابي.
وتتجاوز خطورة هذه الممارسات مجرد المنافسة السياسية، لأنها تمس أحد أهم شروط الانتخابات النزيهة، وهو تكافؤ الفرص بين المتنافسين، خاصة إذا ثبت اللجوء إلى وسائل تضليلية أو إلى حملات ممنهجة تستهدف صناعة شعبية افتراضية أو التشهير بالمنافسين خارج الأطر القانونية والأخلاقية.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، تبدو الحاجة ملحة إلى تشديد الرقابة على الحملات الرقمية، وتعزيز شفافية الإعلانات السياسية على منصات التواصل الاجتماعي، حتى لا تتحول الخوارزميات والحسابات الوهمية إلى أدوات لتوجيه الإرادة الشعبية أو التأثير في اختيارات الناخبين.
فإذا كانت صناديق الاقتراع هي الفيصل في الديمقراطيات، فإن حماية الرأي العام من التضليل الرقمي أصبحت اليوم جزءاً لا يتجزأ من حماية نزاهة العملية الانتخابية، وهو ما يفرض يقظة مؤسساتية وإعلامية لضمان أن يكون التنافس قائماً على البرامج والأفكار، لا على الجيوش الإلكترونية والشعبية المصنوعة داخل غرف التحكم الرقمية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد